فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 331
الزيغ
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فأبت عن إدراك الحق والتأمل فيه. وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (108) الكاملون في الغفلة عما يراد بهم إذا غفلتهم الحالة الراهنة عن تدبر العواقب
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (109) إذ ضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي عذبوا كعمار رضي اللّه تعالى عنه بالولاية والنصر. و «ثم» لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك.
وقرأ ابن عامر «فتنوا» بالفتح أي بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا. ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الجهاد وما أصابهم من المشاق. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد الهجرة والجهاد والصبر. لَغَفُورٌ لما فعلوا قبل رَحِيمٌ (110) منعم عليهم مجازاة على ما صنعوا بعد.
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ منصوب «برحيم» أو «باذكر» تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها تجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها فتقول: نفسي نفسي. وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ جزاء ما عملت وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) لا ينقصون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ أي خلق في قلوبهم ومشاعرهم لا طبع عليها حقيقة، فإن القلوب والمشاعر لا تقبل حقيقة الطبع. ثم وصفهم بكمال الغفلة حيث حصر حقيقة الغفلة فيهم بحيث لا تتجاوزهم إلى غيرهم وذلك إما لكونهم كاملين في الغفلة بحيث لا تعد غفلة غيرهم في جنب غفلتهم، فإن من اتّصف بما ذكر من الاستحقاق لغضب اللّه تعالى وعذابه العظيم وإيثار الحياة الدنيا على الحياة الآخرة والحرمان من هداية اللّه تعالى وكونه مطبوعا على قلبه ومشاعره، ثم غفل عما يراد به من العذاب الشديد الدائم في الآخرة تكون غفلته أشد وأكمل ويكون عن الطاعات وتحصيل أسباب السعادات الأبدية أبعد، فلا جرم يكون في الآخرة أخسر. ثم إنه تعالى لما ذكر حال من كفر باللّه بعد إيمانه وحال من أكره على الكفر فأظهر الكفر حذرا من الهلاك، ذكر بعده حال من أظهر الكفر مكرها، إذا هاجروا أو جاهدوا وصبروا وحال من آذى المسلمين وأكرههم وحملهم على الارتداد على القراءتين في قوله:
مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا الآية. قوله: (بالولاية والنصر) إشارة إلى أن قوله تعالى: لِلَّذِينَ هاجَرُوا خبر «إن» كما تقول: إن زيدا لك أي هو لك لا عليك بمعنى هو ناصر لك لا خاذل لك. قوله: (تجادل عن ذاتها) إشارة إلى أن النفس الثانية عبارة عن ذات الشخص وعينه وحقيقته، والنفس الأولى عن جسد الشخص وجملته، فليس النفس نفس أخرى تضاف إحداهما إلى الأخرى. روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه