فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 337
ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي ولا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل. ووصف ألسنتهم بالكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا، ولذلك عد من فصيح الكلام كقولهم: وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر.
وقرئ «الكذب» بالجر بدلا «مما» والكذب جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمعنى: لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب أي لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة. فإن قيل: حمل الآية على هذا الوجه يؤدي إلى التكرار لأن قوله:
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ عين قولك لأجل وصف ألسنتكم الكذب. فالجواب أن قوله:
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ليس فيه بيان أنه كذب على اللّه فأعاد قوله: لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ليفيد هذا البيان الزائد. ونظيره في القرآن كثير فإنه تعالى يذكر كلاما ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة.
قوله: (ووصف ألسنتهم بالكذب) جواب عما يقال: الكذب مصدر لكذب والألف واللام فيه لتعريف الحقيقة، وألسنتهم لا تصف أي لا توضح ولا تبين حقيقة الكذب وماهيته بل تتكلم كلاما موصوفا بالكذب، فما وجه كون الكذب مفعول «تصف» ؟ وتقرير الجواب نعم إن مقتضى الظاهر أن يقال: مما تصف ألسنتكم الكلام الكاذب وتظهره إلا أنه جعل الظاهر المتبين بألسنتهم نفس الكذب وحقيقته مبالغة في وصف كلامهم بالكذب. فإن أصل الكلام مما تصف ألسنتكم الكلام الكاذب، ثم عدل عنه فقيل الكلام الكذب مبالغة على طريق رجل عدل، ثم حذف الموصوف وأقيم الكذب مقامه فقيل: لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ كما يقال:
وجهها يصف الجمال
مع أن وجهها إنما يظهر الشكل المخصوص الموصوف بالجمال لا نفس الجمال وحقيقته، إلا أن وجهها لما كان في غاية الحسن والجمال صار كأنه عين حقيقة الجمال. فإذا وصف الشكل الجميل صح أن يقال إنه وصف نفس الجمال وكذلك العين لما كانت تشبه الساحر وتصفه كمال المشابهة والتوصيف صح أن يقال إنها تصف السحر. قوله: (وقرئ الكذب بالجر بدلا من ما) قال أبو البقاء: ويقرأ بفتح الكاف وكسر الذال والباء على البدل من جعلها مصدرية أو بمعنى الذي انتهى. أي ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب أو للذي تصف ألسنتكم الكذب. والمراد من كونه بدلا من «ما» المصدرية كونه بدلا منها مع ما في حيزها أي من المصدر المنسبك منها وهو وصف ألسنتكم. قوله: (والكذب) أي وقرئ «الكذب»