حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 342
والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) بل كان قدوة الموحدين.
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ تعظيم السبت والتخلي فيه للعبادة عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي على نبيهم وهم اليهود أمرهم موسى عليه السّلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأبوا إلا طائفة منهم وقالوا: نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض. فألزمهم اللّه السبت وشدد الأمر عليهم. وقيل: معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه فأحلّوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى واحتالوا له الحيل. وذكرهم ههنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم اللّه وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) بالمجازاة على الاختلاف أو بمجازاة كل فريق من الآبين والمعظمين بما يستحقه.
ادْعُ من بعثت إليهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحال من المضاف إليه ليس على إطلاقه، وإنما يمتنع إذا لم يكن بين المضاف والمضاف إليه ملابسة قوية مثل أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه أو بمنزلة الجزء منه. والملة ههنا بمنزلة الجزء من إبراهيم فلذلك كان انتصاب الحال منه بمنزلة انتصابها من الملة، والعامل فيها معنى الإضافة وقوله تعالى: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ [النحل: 124] الآية جواب عما يقال: إنه عليه الصلاة والسّلام لما أمر بمتابعة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فكيف خالفه باختيار يوم الجمعة؟ فإن الظاهر أن إبراهيم قد اختار في شرعه تعظيم يوم السبت بشهادة أن قوم موسى عليه الصلاة والسّلام يعظمون يوم السبت، ويروى ذلك على أن تعظيمه شريعة متواترة من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسّلام. روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: أمرهم موسى عليه الصلاة والسّلام بالجمعة وقال: تفرغوا للّه تعالى في كل سبعة أيام يوما واحدا وهو يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئا من أعمالكم. فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ اللّه تعالى فيه من الخلق وهو يوم السبت، فجعل عليهم السبت وشدد عليهم. ثم جاءهم عيسى عليه الصلاة والسّلام وأمرهم أيضا بالجمعة فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد. وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا إليه فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد» . فقوله تعالى: عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ليس معناه أن اليهود اختلفوا فمنهم من قال بالسبت ومنهم من لم يقل به لأن اليهود متفقون على ذلك، بل معناه أنهم اختلفوا على نبيهم من حيث إنه أمرهم باختيار الجمعة وخالفوه باختيارهم يوما آخر. ومما يدل عقلا على أن يوم الجمعة سيد الأيام وأجدر للاختيار أن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ بالخلق والتكوين في يوم الأحد