حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 343
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ إلى الإسلام بِالْحِكْمَةِ بالمقالة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الخطابات المقنعة والعبر النافعة والأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوة عوامهم وَجادِلْهُمْ وجادل معانديهم. بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللّين وإيثار الوجه الأيسر والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شغبهم. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) أي إنما عليك البلاغ والدعوة، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا إليك بل اللّه أعلم بالضالين والمعتدين وهو المجازي لهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأتم في يوم الجمعة وكان يوم السبت يوم الفراغ. فقال اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال فعينوا السبت لهذا المعنى. وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد فنجعل هذا اليوم عيدا لنا. فهذا وجه الفريقين في اختيار اليومين. ونحن نقول: يوم الجمعة هو يوم التمام والكمال وتمام النعمة وكمالها هو الموجب لكمال الفرح والسرور والموجب للاشتغال بالشكر والخضوع. فكان يوم الجمعة أفضل بالنسبة إلى سائر الأيام من هذا الوجه.
وفضله عليها من هذا الوجه يصلح أن يكون وجها عقليا للتخصيص بجعله يوم العيد والعبادة الزائدة وقيل: معنى اختلافهم في السبت أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى، ولم يتفقوا على كلمة واحدة مع أنه تعالى أمرهم بتعظيمه والامتناع عن الصيد فيه. قال قتادة:
استحل الصيد فيه بعضهم زمن داود يعني أهل أيلة فجعل السبت عليهم حيث عوقبوا بترك تحريمه بأن لعنوا ومسخوا قردة دون الذين نهوا آباءهم عن ذلك. ثم إنه تعالى لما أمره عليه الصلاة والسّلام باتباع إبراهيم عليه السّلام بيّن في أي شيء يتبعه فقال: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ. قوله: (بالمقالة المحكمة) إشارة إلى أن المراد بالحكمة البراهين القطعية المفيدة للمعارف الحقية والعلوم اليقينية، وبالموعظة الحسنة الأمارات اللطيفة والدلائل الإقناعية، وبالدلائل الجدلية الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصم وإفحامه. ثم إن الجدل على قسمين: أحدهما هو الدليل المركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الخصم وهذا القسم هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن، والقسم الثاني ما يكون مركبا من مقدمات فاسدة إلا أن المستدل يوردها ويجوزها دفعا لتشغب الخصم وسفاهته بسلوك الطريق الفاسدة عند المناظرة. وهذا القسم لا يليق بالعقلاء وإنما اللائق بهم هو القسم الأول. وذلك هو المراد بقوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فهو تعالى حصر الحجج والدلائل الصادرة عن العقلاء في هذه الأقسام المذكورة في الآية الكريمة. والذين يدعون إلى الحق بطريق المناظرة ثلاث طوائف: القسم الأول الكاملون الطالبون للمعارف الحقية والعلوم اليقينية وهي