حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 344
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ لما أمره بالدعوة وبيّن طرقها أشار إليه وإلى من شايعه بترك المخالفة ومراعاة العدل مع من يناصبهم فإن الدعوة لا تنفك عنه من حيث إنها تتضمن رفض العادات وترك الشهوات والقدح في دين الأسلاف والحكم عليهم بالكفر والضلال. وقيل: إنه عليه الصلاة والسّلام لما رأى حمزة وقد مثل به قال: «واللّه لئن أظفرني اللّه بهم لأمثلن بسبعين مكانك» فنزلت فكفر عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحكمة، والقسم الثاني الذين يغلب عليهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب الحق واليقين والمكالمة اللائقة بهم المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام. فهاتان الطائفتان قسمان: الأول منهما هم الكاملون في الاستكمال بحسب القوة النظرية، والثاني هم الناقصون الذين لم يستعدوا للاستكمال بحسب القوة النظرية. والقسم الثالث هم المتوسطون بين الطائفتين حيث لم يبلغوا في الكمال إلى درجة الحكماء المحققين ولا في النقصان إلى حد المشاغبين بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية. والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالموعظة الحسنة وهي الدلائل الإقناعية الظنية والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن. ودلت هذه الآية الكريمة على أن الدعوة لا بد أن تكون بالدلائل القطعية التي هي الحكمة وإلا فبالدلائل الظنية وهي الموعظة، وأما الجدل فهو ليس من طرق الدعوة بل المقصود منه غرض آخر وهو الإلزام والإفحام. وإليه أشار المصنف بقوله: «وجادل معانديهم بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة» . ثم إنه تعالى قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ يعني معناه أنك يا محمد مكلف بالدعوة إلى اللّه بهذه الطرق المذكورة وأما حصول الهداية فلا يتعلق بك فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين. فإن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية فبعضها نفوس مشرقة صافية قليلة التعلق بالجسمانية كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات، ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها، قال تعالى: اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكل فإنه تعالى هو العالم بخصوصيات استعدادات النفوس ولكل نفس فطرة مخصوصة كما قال: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: 30] .
قوله: (لما أمره بالدعوة الخ) بيان لارتباط هذه الآية بما قبلها. فإن المحقين لما أمروا بالدعوة إلى الدين الحق وكانت الدعوة المذكورة تتضمن أمر المبطلين بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم والحكم عليه بأنه كفر وضلالة، وكان ذلك مما يشوش قلوبهم وربما يحملهم ذلك على إيذاء الداعي بنحو الشتم والضرب القتل وكان يؤدي المحقين إلى تأديب هؤلاء السفهاء المشاغبين بالضرب والقتل ونحو ذلك. ولم يرض المصنف بما قيل من كون