حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 345
يمينه. وفيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه. وحثّ على العفو تعريضا بقوله: «وإن عاقبتم» وتصريحا على الوجه الآكد بقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ أي الصبر خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) من الانتقام للمنتقمين. ثم صرح بالأمر به لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه أولى الناس به لزيادة علمه باللّه ووثوقه عليه فقال:
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ إلا بتوفيقه وتثبيته وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ على الكافرين أو على المؤمنين وما فعل بهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) في ضيق صدر من مكرهم. وقرأ ابن كثير «في ضيق» بالكسر هنا وفي النمل وهما لغتان كالقول والقيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآية نازلة في قصة حمزة لأن تلك القصة لا تعلق لها بما قبل الآية فذلك القول يستلزم القول بجواز أن لا يرتبط بعض الآيات ببعض. وما روي من أنه عليه الصلاة والسّلام ترك العزم على المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية، لا يقتضي كون الآية نازلة في تلك القصة لجواز كونها نازلة لحكمة أخرى، وتمسكه عليه الصلاة والسّلام في الانتهاء عما عزمه من المثلة بهذه الآية من حيث كون حرمة المثلة متفرعة من عموم هذه الآية لا جرم أمر اللّه تعالى المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة فقال تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولا تزيدوا عليه فإن استيفاء الزيادة ظلم وهو تعالى لا يرضى بالظلم. وفي الآية دلالة على أن الأولى ترك المقاصة فإنك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح، فإنه يفهم منه أن الأولى أن لا يأكلها. ثم إنه تعالى عدل عن طريق التعريض إلى التصريح حيث قال: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ فإنه تصريح بأن الأولى ترك الانتقام ولما كان الصبر شاقا شديدا ذكر بعده ما يفيد سهولته لمن اختار العفو فقال:
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ولمّا كان السبب الحامل على الغضب والانتقام لا يخلو عن أمرين:
أحدهما فوات نفع كان من الماضي والآخر توقع ضرر يكون في المستقبل نهى عن الالتفات إلى السبب الأول بقوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على الكافرين بسبب إعراضهم عنك واستحقاقهم للعذاب الدائم أو على المؤمنين وعن الالتفات إلى السبب الثاني بقوله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي أثبت على دعوتك ودع ما أصابك منهم من الأذى. قوله: (وقرأ ابن كثير في ضيق بالكسر) أي بكسر الضاد والباقون بفتحها. وهما لغتان بمعنى وقيل:
المفتوح مخلف من ضيق المشدد كميت في ميت، أي في أمر ضيق أمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يدعو الخلق إلى سبيل رب العالمين بأحد الطرق الثلاثة كل طائفة بما يليق بها من طرق الدعوة. ثم قال: إن أدت الدعوة المذكورة إلى مناصبة المبطلين لا تزيدوا في الانتقام على قدر اعتدائهم. ورمز في هذه المرتبة إلى أن ترك الانتقام هو الأولى ثم عدل عن الرمز إلى التصريح حيث قال: واصبر ثم ترقى في المرتبة الرابعة إلى التهديد على استيفاء الزيادة فقال: