فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 365
الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرد في العصيان فيدل على الطاعة من طريق المقابلة.
وقيل: أمرناهم بالفسق لقوله: فَفَسَقُوا فِيها كقولك: أمرته فقرأ، فإنه لا يفهم منه إلا الأمر بالقراءة على أن الأمر مجاز من الحمل عليه أو التسبب له بأن صب عليهم من النعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق. ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوى كقولهم: أمرته فعصاني. وقيل: معناه كثرنا يقال: أمرت الشيء وأمرته فأمر إذا كثرته. وفي الحديث:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراد به الطاعة. وذهب صاحب الكشاف إلى أن المراد به الفسق، وأن المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا وجعل أمرهم بالفسق مجازا عن يصب عليهم أنواع النعمة صبا ويجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فصاروا بذلك كأنهم مأمورون بالفسق وإلا فلا وجه لأمرهم بالفسق حقيقة بأن يقال لهم: افسقوا وشدد النكر على من جعل المعنى أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وقال: إنه تقدير شيء لا دليل عليه مع الإعراض عن تقدير ما يدل عليه الدليل، فإن قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها يدل على أن المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا، فإنه إذا قيل: أمرته فقام وأمرته فقرأ، فهم منه أن المأمور به قيام أو قراءة. فكذا فيما نحن فيه لا يفهم إلا أن المأمور به هو الفسق لا أمر آخر، فتقدير الطاعة تقدير شيء لا دليل عليه مع العدول عما يقتضيه الدليل. ومنع المصنف كونه تقديرا بلا دليل حيث قال:
«إن ما بعده وما قبله يدل على أن المقدر هو الطاعة أما دلالة ما بعده عليه فلأن الفسق هو الخروج عن الطاعة» الخ وأما دلالة ما قبله عليه فلأن الرسول إنما يبعث ليطاع ويعمل بالشرائع التي يبلغها الرسول عن اللّه تعالى فيطيعوا ربهم فيما أمرهم به، فيدل ذلك دلالة ظاهرة على أن المعنى: أمرنا مترفيها بأن يطيعوا الرسول الذي بعث إليهم. قوله: (أو التسبب له) لا معنى لكلمة «أو» ههنا لأن الحمل على الفسق لا محل له سوى السببية. قوله: (وقيل معناه كثرنا) قرأ الجمهور «أمرنا» بالتخفيف والقصر وفيه وجهان: أحدهما أنه من الأمر الذي هو ضد النهي وقد مر ما يتعلق بهذا الوجه. وثانيهما أن «أمرنا» بمعنى كثرنا. قال الواحدي:
العرب تقول: أمر القوم إذا كثروا، وأمرهم اللّه إذا كثرهم، وآمرهم أيضا بالمد لأن أمر الثلاثي يستعمل لازما بمعنى كثر، ويستعمل أيضا متعديا بمعنى آمر بالمد أي كثر. واستعمل في الآية متعديا فيكون فعل وأفعل بمعنى، وهو معنى قول المصنف يقال: «أمرت الشيء وآمرته فأمر إذا كثرته» واستدل على استعمال الثلاثي متعديا بقوله عليه الصلاة والسّلام: «خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة» أي مكثرة كثر اللّه ولدها، فلو لا أن الثلاثي متعدية لما بنى منه اسم المفعول. وقرئ «أمرنا» بكسر الميم بمعنى «أمرنا» بالفتح. روي عن أبي عبيدة:
أمره اللّه وأمره بفتح الميم وكسرها. «آمرنا» بالمد والهمزة فيه للتعدية. حكى الجوهري عن أبي عبيدة: أن آمرته بالمد وأمرته لغتان بمعنى كثرته، ومنه الحديث: «خير المال سكة مأبورة