حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 1، ص: 4
لم يقدروا فإعادتها؛ فشرع البيضاوي في الجواب، فقال: لا أسمع حتى أعلم أنك فهمت. فخيّره بين إعادتها بلفظها أو معناها. فبهت المدرّس فقال: أعدها بلفظها؛ فأعادها ثم حلّها وبيّن أن في ترتيبه إياها خللا، ثم أجاب عنها وقابلها في الحال بمثلها ودعا المدرّس إلى حلّها، فتعذّر عليه ذلك. وكان الوزير حاضرا، فأقامه من مجلسه وأدناه إلى جانبه وسأله: من أنت؟ فأخبره أنه البيضاوي وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز. فأكرمه وخلع عليه في يومه وردّه. انتهى. وقيل إنه طال مدة ملازمته فاستشفع من الشيخ محمد بن محمد الكحتائي، فلما أتاه على عادته قال: إن هذا الرجل عالم فاضل يريد الاشتراك مع الأمير في السعير؛ يعني أنه يطلب منكم مقدار سجادة في النار، وهي مجلس الحكم. فتأثّر الإمام البيضاوي من كلامه وترك المناصب الدنيوية ولازم الشيخ إلى أن مات، وصنّف التفسير بإشارة شيخه. ولمّا مات دفن عند قبره.
وتفسيره هذا كتاب عظيم الشأن غنيّ عن البيان، لخّص فيه من الكشّاف ما يتعلق بالإعراب والمعاني والبيان، ومن التفسير الكبير ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات؛ وضمّ إليه ما ورى زناد فكره من الوجوه المعقولة والتصرفات المقبولة، فجلا رين الشكّ عن السريرة وزاد في العلم بسطة وبصيرة، كما قال مولانا المنشي:
أولو العلم لم يأتوا ... بكشف قناع ما يتلى
ولكن كان للقاضي ... يد بيضاء لا تبلى
ولكونه متبحّرا جال في ميدان فرسان الكلام، فأظهر مهارته في العلوم حسبما يليق بالمقام؛ كشف القناع تارة عن وجوه محاسن الإشارة وملح الاستعارة، وهتك الأستار أخرى عن أسرار المعقولات بيد الحكمة ولسانها وترجمان الناطقة وبنانها، فحلّ ما أشكل على الأنام وذلّل لهم صعب المرام وأورد من المباحث الدقيقة ما يؤمن به عن الشّبه المضلّة وأوضح له مناهج الأدلّة. والذي ذكره من وجوه التفسير ثانيا أو ثالثا أو رابعا بلفظ «قيل» فهو ضعيف ضعف المرجوح أو ضعف المردود، وأما الوجه الذي تفرّد فيه وظنّ بعضهم أنه مما لا ينبغي أن يكون من الوجوه التفسيرية السنيّة، كقوله: وحمل الملائكة العرش وحفيفهم حوله، مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له ونحوه، فهو ظنّ من لعلّه يقصر فهمه عن تصوّر مبانيه ولا يبلغ علمه إلى الإحاطة بما فيه؛ فمن اعترض بمثله على كلامه كأنه ينصب الحبالة للعنقاء ويروم أن يقنص نسر الشمّاء؛ لأنه مالك زمام العلوم الدينية والفنون اليقينية على مذهب أهل السّنّة والجماعة، وقد اعترفوا له قاطبة بالفضل المطلق وسلّموا إليه قصب السبق، فكان تفسيره يحتوي فنونا من العلم وعرة