فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 373
الأمر بالإحسان بهما. وَلا تَنْهَرْهُما ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ. وقيل:
النهي والنهر والنهم أخوات. وَقُلْ لَهُما بدل التأفيف والنهر قَوْلًا كَرِيمًا (23) جميلا لا شراسة فيه.
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ تذلّل لهما وتواضع معهما جعل للذلّ جناحا كما جعل لبيد في قوله:
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بكونه دالا عليه دلالة لفظية بحسب العرف. والشرس والشراسة سوء الخلق يقال: رجل شرس أي سيئ الخلق شديد الخلاف.
قوله: (تذلل لهما وتواضع معهما) يريد أن خفض الجناح استعارة تمثيلية استعير للتذلل والتواضع لأن الطائر إذا قصد الجو بسط جناحه وإذا هم بالنزول خفض الجناح. فشبه ما يتصور من الإنسان في حال التواضع من الانخفاض بما يشاهد من الطائر عند انحطاطه من الجو، ثم كثر استعماله فيه حتى صار عبارة عن التواضع. وأما الوجه في إضافة الجناح إلى الذل وليس له جناح فكونها دليلا على الاستعارة بالكناية مخيلا كون الذل من جنس الطائر ويسمى إثبات الأمر المختص بالمشبه به للمشبه استعارة تخييلية. فإنه شبه الذل بالطائر تشبيها مضمرا في النفس ولم يصرح من أركان التشبيه بشيء سوى المشبه وهو الذل. ودل على ذلك التشبيه المضمر في النفس بأن أثبت للذل المشبه ما يختص بالمشبه به وهو الجناح من غير أن يتحقق في الذل شيء يجري عليه اسم الجناح، بل الوهم يخترع له صورة تشبهه بالجناح فأثبتت تلك الصورة المخترعة ليكون إثباتها قرينة للاستعارة بالكناية. ونظيره في قول لبيد:
(وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها)
فإنه شبه الشمال بالإنسان وأضاف إليه لازم الإنسان وقت اشتغاله بالعمل وهو اليد على سبيل الاستعارة التخييلية. وكذلك شبه القرة بالناقة وأثبت لها ما به قوام انقيادها وهو الزمام على سبيل التخييل. هذا على أن يكون ضمير زمامها للقرة. ويحتمل أن يكون للغداة بل هو الظاهر، فتكون الاستعارة بالكناية هي تشبيه الغداة بالناقة. والقرة والقر البرد يقول: كم من غداة تهب الشمال وهي أبرد الرياح وقرة قد ملكت الشمال زمامها فهي في قبضتها متصرفة على حكم إرادتها قد كشفت، وإنما أذهبت غاية البرد عن الناس بإيقاد نار القرى ونحر الجزور لهم. وتحرير المعنى: كم من برد كففت غاديته بإطعام الناس. فعلى هذا يكون إضافة الجناح إلى الذل تفيد غاية المبالغة في التذلل لأن خفض الجناح عبارة عن التذلل