فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 374
للشمال يدا وللقرة زماما وأمره بخفضه مبالغة أو أراد جناحه كقوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: 88] وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود. والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل. وقرئ «الذل» بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول مِنَ الرَّحْمَةِ من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق اللّه تعالى إليهما بالأمس. وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما وادع اللّه تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما.
كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (24) رحمة مثل رحمتهما عليّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين. روي أن رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إن أبويّ بلغا من الكبر أنى ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقهما؟ قال: «لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما» .
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتذلل منه غاية التذلل. قوله: (أو أراد جناحه) عطف على قوله: «جعل للذل جناحا» فيكون هذا وجها ثانيا لإضافة الجناح إلى الذل مع أن الذل لا جناح له. وتقريره: أن إضافة الجناح إلى الذل ليست بمعنى اللام حتى يستبعد ويقال: ما معنى إضافة الجناح إليه؟ بل المراد من الجناح جناح المخاطب وإضافته إلى الذل من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته كأنه قيل: واخفض لوالديك جناحك الذليل كما يقال: حاتم الجود وحاتم الجواد. قوله:
(وقرئ الذل بالكسر) قيل: الذل بالكسر في الدابة ضد الصعوبة، وبالضم للإنسان ضد العزو. لما كان ما يلحق الإنسان أشد وأكثر وأوقع بالنسبة إلى ما يلحق الدابة وهو كونها ذلو لا منقادة لصاحبها، فرقوا بينهما فاختاروا الضمة التي هي أقوى الحركات لما يلحق الإنسان، والكسر الضعيف لما يلحق الدابة للإشارة إلى ما بينهما من الفرق. قوله: (من فرط رحمتك عليهما) إشارة إلى أن كلمة «من» للتعليل كما في قوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25] أي واخفض جناحك من أجل الرحمة وقوله: (رحمة) مثل (رحمتهما) على إشارة إلى أن الكاف في محل النصب على أنه صفة مصدر محذوف. ولم يقل: رحمة مثل تربيتهما إلى مع أن المذكور في القرآن هو التربية للإشارة إلى أن التربية لكونها ناشئة عن الرحمة كأنها عين الرحمة. قوله: (وفاء بوعدك) مفعول له لقوله تعالى:
ارْحَمْهُما قال عليه الصلاة والسّلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن» . وقال عليه الصلاة والسّلام: «رضى اللّه في رضى الوالد وسخطه في سخط الوالد» وقال: «لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر» . قوله: (وإن كانا كافرين) إشارة إلى رد ما قيل من أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: 113] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ولا يقول لهما رَبِّ ارْحَمْهُما لأنهما