فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 383
وَلا تَقْفُ ولا تتبع. وقرئ «ولا تقف» من قاف أثره إذا قفاه ومنه القافة. ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعا أو ظنّا واستعماله بهذا المعنى شائع. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد. وقل: بالرمي وشهادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموؤودة بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: 9] في مجرد السؤال لأن سؤالها بعد الإحياء يوم القيامة وهو سؤال على التحقيق وسؤال العهد على التخييل. ولا تبكيت في الكلام على الوجه الأول وإنما هو في الوجه الثاني والثالث.
قوله: (ولا تتبع) فإن قوله تعالى: لا تَقْفُ مأخوذ من قولهم: قفوت أثر فلان أقفوه قفوا وقفوا إذا اتبعت أثره. وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو البيت. وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان كأنه شيء يتبعه ويقفوه. فمعنى الآية لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون. والقافة جمع قائف وهو من يتبع آثار أقدام الناس ويستدل بها على أحوال الإنسان كحكم المشركين في باب الآلهيات والنبوات بما يعتقدونه بسبب تقليد أسلافهم أو اتباع أهوائهم رجما بالغيب. قوله: (واحتج به من منع اتباع الظن) أي العمل بالقياس بأن قال: القياس لا يفيد إلا الظن والظن يغاير العلم، فالحكم في دين اللّه بالقياس حكم بغير المعلوم فوجب أن لا يجوز بمقتضى هذه الآية. وأجاب عنه بأن الظن قد يسمى علما كما في قوله تعالى: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة: 10] ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن وأمارات تدل عليه وهو لا يفيد إلا الظن، وقد رأيت أنه تعالى سمى هذا الظن علما. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد فالمنهي عنه هو اتباع الأدلة الظنية في الاعتقادات فلا ينافي جواز اتباعها في العمليات، كيف وقد ثبت أن الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين قد تكلموا في الحوادث بآرائهم وشاوروا في أمرهم، وولي أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما الخلافة بإجماع الصحابة بغير نص من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وجعلها عمر شورى ولم يرد ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلا يقال: إنهم فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا مخالفين لمقتضى هذه الآية تاركين إياه. فدلّ على أن قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ليس فيه الاجتهاد في الأحكام وتشبيه الفروع بالأصول المنصوص عليها، لأن الأمة قد أجمعوا على أن العمل بالظن جائز في صور كثيرة منها العلم بالفتوى فإنه عمل بالظن، ومنها العمل بالشهادة فإنه عمل بالظن ومنها نقص قيم المتلفات وأرش الجنايات فإنه لا سبيل إليه إلا بالظن، ومنها الصلاة على الميت ودفنه في مقابر المسلمين وتوريث المسلم من ابنه بناء على إسلامه وهو مظنون، ومنها أكل الذبيحة بناء على اعتقاد أنها ذبيحة مسلم وهو مظنون، وسند