فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 402
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) لمن خلقته من طين فنصب بنزع الخافض. ويجوز أن يكون حالا من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين أو منه أي ءأسجد له وأصله طين وفيه على الوجوه إيماء بعلة الإنكار.
قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإعراب وهذا مفعول أول و «الذي» صفته والمفعول الثاني محذوف لدلالة صلته عليه. والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ بأمري بالسجود له لم كرمته عليّ. لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه.
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) أي لاستأصلنهم بالإغواء إلا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم. من أحتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا مأخوذ من الحنك.
وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطا من قول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: 30] مع التقرير أو تفرّسا من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب.
قالَ اذْهَبْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشبهة لا توهن أمرك ولا تصير سببا لضعف حالك، ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سببا لوقوع الشبهة العظيمة وكذا ذكر الشجرة الموصوفة. ثم إن تلك الشبهات ما أوجبت ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع المحقين عليك، فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات المقترحة لا توجب فتورا في حالك ولا ضعفا في أمرك. ثم إنه تعالى وصفهم بقسوة القلب والتمادي في الغي والطغيان حيث قال: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا [الإسراء: 60] إشارة إلى وجه آخر لعدم إظهار ما اقترحوه من الآيات والمعجزات فإن من لم يتأثر من التخويف بمخاوف الدنيا والآخرة كيف ينتفع بإظهار ما اقترحه من الآيات تعنتا وعنادا. قوله تعالى: (وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ الآية) متصل بقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا فإنه تعالى بيّن به أنه عدو لهم من قديم الزمان، وبيّن ههنا سبب عداوته وأنه من أي وقت كان عدوا لهم. قوله: (وفيه) أي في قوله: طِينًا سواء كان انتصابه بنزع الخافض أو على أنه حال من عائد الموصول، أو من نفس الموصول إيماء إلى أن الإنكار المدلول عليه بقول: أَأَسْجُدُ مبني على كون أصله أشرف من أصل آدم عليه الصلاة والسّلام كأنه قال: كيف أسجد له وسجود الأشرف للأدنى غير معقول؟ قوله:
(والمعنى أخبرني) أطلق لفظ الاستفهام وأريد الأمر بجامع الطلب والرؤية التي هي سبب للأخبار المسبب عنها، ففي لفظ (أرأيت) تجوّز من وجهين. قوله: (مع التقرير) أي مع أنه تعالى قرر قوله هذا ولم ينكر عليه في ذلك القول. قوله: (أو تفرّسا من خلقه) فإنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية وقوة سبعية عضبية وقوة وهمية شيطانية وقوة عقلية ملكية.
وعرف أن القوى الثلاث الشهوانية والغضبية والوهمية هي المستولية في أول الخلقة، ثم إن