فهرس الكتاب

الصفحة 3103 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 472

تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم. وتعديته ب «عن» لتضمينه معنى نبا يقال: نبت وعلت عنه عينه اقتحمته ولم تعلق به. والغرض في هذا إعطاء معنيين أي لا تقتحمهم عيناك متجاوزتين إلى غيرهم. وقرئ «ولا تعد عينيك» و «لا تعد» من أعداه وعداه. والمراد نهي الرسول أن يزدري بفقراء المؤمنين وتعلو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى طراوة زي الأغنياء. تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا حال من الكاف في القراءة المشهورة، ومن المستكن في الفعل في غيرها. وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ من جعلنا قلبه غافلا عَنْ ذِكْرِنا كأمية بن خلف في دعائك إلى طرد الفقراء عن مجلسك لصناديد قريش. وفيه تنبيه على أن الداعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات وانهماكه في المحسوسات حتى خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد، وأنه لو أطاعه كان مثله في الغباوة. والمعتزلة لما غاظهم إسناد الإغفال إلى اللّه تعالى قالوا:

إنه مثل أجبنته إذا وجدته كذلك أو نسبته إليه، أو من أغفل أبله إذا تركها بغير سمة أي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغد أصله غدو فحذفوا الواو بلا عوض. قال لبيد:

وما الناس إلا كالديار وأهلها ... فيوم بها حلو أو غدو بلاقع

فجاء به على أصله والغدوة ما بين صلاة الغدة وطلوع الشمس يقال: أتيته غدوة غير مصروفة لأنها معرفة مثل سحر. قوله: (وتعديته بعن) جواب عما يقال: من أن قوله وَلا تَعْدُ نهى من عداه إذا جاوزه وهو يتعدى بنفسه كما أشار إليه بقوله: «ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم» وكان الظاهر أن يقال: ولا تعدهم عيناك فلم جيء بكلمة «عن» ؟ وأجاب عنه بأن عدا لما ضمن معنى نبا عدى تعديته يقال: نبا الشيء عنه ينبو أي تجافى وتباعد، ونبا بصري عن الشيء إذا اقتحمه ولم يعلق به، ويقال: اقتحمته عيني أي ازدرته. واعتبر التضمين لتحصيل مجموع المعنيين معنى المجاوزة ومعنى الاقتحام. ولو قيل: ولا تنب عيناك عنهم لفهم معنى الاقتحام ولم يفهم معنى المجاوزة، فجمع بين مادة العدو وكلمة «عن» ليحصل مجموع المعنيين وذلك أبلغ من إفادة المعنى الواحد.

قوله: (والمعتزلة لما غاظهم إسناد الإغفال إليه تعالى) اعلم أن أصحابنا احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهال لأن قوله: أَغْفَلْنا يدل على هذا المعنى، فالمعنى من خلقنا ظلمة الكفر في قلبهم باختيارهم الكفر. وقالت المعتزلة: ليس المراد بقوله تعالى: أَغْفَلْنا خلق الغفلة وإيجادها في القلب، بل هو من قبيل قول معدي كرب لبني سليم:

قاتلناكم فما أجبناكم ... وسألناكم فما أبخلناكم

وهجوناكم فما أقحمناكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت