فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 473
لم نسمه بذكرنا كقلوب الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان. واحتجوا على أن المراد ليس ظاهر ما ذكر أولا بقوله: وَاتَّبَعَ هَواهُ وجوابه ما مر غير مرة. وقرئ «أغفلنا» بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة. وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) أي تقدما على الحق ونبذا له وراء ظهره. يقال: فرس فرط أي متقدم للخيل ومنه الفرط.
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ الحق ما يكون من جهة اللّه لا ما يقتضيه الهوى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مقحمين، فإن الهمزة فيه للوجدان، فكذا في الآية. ويحتمل أن تكون الهمزة في هذه الأفعال لنسبة الفاعل إلى أصل الفعل فكذا في الآية.
واحتجوا على أن بناء الأفعال في الآية ليس للإيجاد والتكوين لقوله تعالى بعده: وَاتَّبَعَ هَواهُ فإنه لو كان المعنى أو جدنا الغفلة في قلبه حقيقة لكان المناسب أن يقال: فابتع هواه ليدل على أن الإغفال سبب في الأتباع، فلذا أسند الأتباع إلى شهوتهم لا إلى مشيئة اللّه.
وقد مر مرارا أن القدرة المؤثرة ليس إلا اللّه تعالى فلذلك قال: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: 78] وأن العبد له قدرة كاسبة يصح إسناد أفعاله الاختيارية إليه بسببها والعامة قرأوا «من أغفلنا قلبه» بإسناد الفعل إلى المتكلم المعظم نفسه ونصب «قلبه» على أنه مفعول به وقرئ «أغفلنا قلبه» بفتح اللام ورفع «قلبه» على الفاعلية على معنى حسبنا قلبه غافلين من أغفلته إذا وجدته غافلا. دلت الآية على أن أشر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق. قوله: (أي تقدما على الحق) يعني أن أصل الكلمة ينبئ عن العجلة والسبق يقال: فرط منه قول قبيح أي سبق، وفرس فرط أي سريعة تتقدم الخيل. وفي الصحاح: فرط عليه أي عجل وعدا ومنه قوله تعالى:
إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى [طه: 54] وفرط عليه سبق وفرطت القوم أفرطهم فرطا أي سبقتهم إلى الماء فأنا فارط، والجمع فراط. وفراط القطع من الغنم متقدماتها إلى الوادي والماء، وأفرط في الأمر أي جاوز فيه الحد، والاسم منه الفرط بالتسكين، والفرط بالتحريك الذي يتقدم الواردة لهيئ لهم الأرشية والدلاء ويمدر الحياض ويستقي لهم، وهو فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع، ومنه قيل للطفل الميت: اللهم اجعله لنا فرطا أي أجرا يتقدمنا، وأمر فرط أي مجاوز فيه الحد ومنه قوله تعالى: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28] إلى هنا كلام الجوهري. فالفرط على قوله فعل بمعنى المفعول والمعنى: لا تطع من كان أموره التي يلابسها مجاوزا فيها الحد والحق بحيث كان نابذا له وراء ظهره.
قوله: (ومنه الفرط) يجوز أن تكون الفاء فيه مفتوحة والراء ساكنة وأن تكونا مفتوحتين.
قوله: (الحق ما يكون من جهة اللّه) يعني أن «الحق» مبتدأ و «من ربك» خبره والجملة مقول