فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 501
مفعول «تعلمني» ومفعول «علمت» العائد المحذوف وكلاهما منقولان من «علم» الذي له مفعول واحد. ويجوز أن يكون علة «لأتبعك» أو مصدرا بإضمار فعله. ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقا.
وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم اللّه عليه.
قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنه مما لا يصبح ولا يستقيم، وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله:
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك؟ و «خبرا» تمييز أو مصدر لأن «لم تحط به» بمعنى لم تخبره.
قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا معك غير منكر عليك وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) عطف على «صابر» أي ستجدني صابرا وغير عاص أو على ستجدني. وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد بلا خلف. وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة اللّه تعالى.
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ لا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو مصدرا بإضمار فعله) أي على أن تعلمني وترشدني رشدا أو مما علمت وأرشدت رشدا. قوله: (فاستجهل نفسه) فإن قوله: (على أن تعلمني) إقرار منه على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم وقوله: مِمَّا عُلِّمْتَ كلمة «من» فيه للتبعيض فطلب تعليم بعض ما علم كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويا لك في العلم بل أطلب منك أن تفيدني بعض ما علمت. روي أنه لما قال له موسى: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تعلمني مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قال له الخضر: كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا. فقال له موسى: إن اللّه أمرني بهذا. فحينئذ قال له: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا كثيرة منكرة بحسب الظاهر ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات. ثم بيّن عذره في ترك الصبر فقال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا و «خبرا» تمييز لقوله:
«لم تحط» وهو منقول من الفاعلية إذ الأصل بما لم يحط به خبرك أي علمك. ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا من غير لفظ الفعل لأن قوله: «لم تحط به» بمعنى لم تخبر به خبرا.
الجوهري: من أين خبرت هذا الأمر أي من أين علمت. والاسم الخبر بالضم وهو العلم بالشيء وقولهم: لأخبرت خبرك أي لأعلمت خبر علمك. قوله: (وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة اللّه تعالى) فإن الصبر في مقام التوقف واجب مأمور به، فلو كان جميع ما