فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 506
وليس من الأخذ عند البصريين. وقرأ ابن كثير والبصريان «لتخذت» أي لأخذت. وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الذال، وأدغمه الباقون.
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله: لا تُصاحِبْنِي أو إلى الاعتراض الثالث، أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته. وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع. وقد قرى على الأصل سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) بالخبر الباطن فيما لم تستطع الصبر عليه لكونه منكرا من حيث الظاهر.
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ لحاويج. وهو دليل على أن المسكين يطلق على من يملك شيئا إذا لم يكفه. وقيل: سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك ولزمانتهم، فإنها كانت لعشرة أخوة خمسة زمنى وخمسة يعملون في ليس من الأخذ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الإشارة إلى الفراق الموعود) فإن المشار إليه لا يجب أن يكون موجودا حاضرا وقت الإشارة، بل يكفي أن يكون موجودا ذهنا ويدل عليه قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ [القصص: 83] وهي معدومة وقت نزول القرآن. ولما وعده موسى عليه الصلاة واسلام أنه إن حدثت منه مسألة ثالثة يفارقه ولا يلح عليه في المصاحبة، فلما وقع منه الاعتراض على ترك الأجر وحل ميعاد الفراق الموعود تصور الخضر عليه السّلام ذلك الفراق الموعود فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه على طريق قولك: هذا أخوك، فإن لفظ «هذا» لا يشار به إلى غير الأخ فكذا في الآية. وخص الاعتراض الثالث بكونه سبب الفراق دون الأولين لأن لموسى عليه الصلاة والسّلام في السؤالين الأولين عذرا وهو كون الظاهر كان منكرا، بخلاف الاعتراض الثالث فإنه غير مبني على أمر منكر وإنما بناه على طمعه الذي هو منكر في نفسه، فإن الطمع أردى الخصال، فلما نطق موسى عليه الصلاة والسّلام بما ينبئ عن الطمع قال له الخضر: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ وجعله سببا للفراق وأصله: هذا فراق بيني وبينك فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به.
قوله: (سأنبئك بالخبر الباطن الخ) أي بالحكمة التي تخفى عليك فيما توليته من الأمور سميت تأويلا لكونها مرجعا ومصيرا لتلك الأمور من قولهم: آل الأمر إلى كذا أي صار إليه، وتلك الحكمة خفيت على موسى لأن أحكام الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مبنية على الظواهر كما قال عليه الصلاة والسّلام: «نحن نحكم بالظواهر واللّه يتولى السرائر» أي من يتولى سرائر الأمور وظواهرها هو اللّه تعالى. والظاهر في أموال الناس ونفوسهم أن لا يكون لغيرهم ولاية التصرف فيها من غير سبب والخضر لمّا تصرف في أموال الناس ونفوسهم من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف، كان ذلك التصرف منكرا في حكم الشرع إلا أنه تعالى لما آتى الخضر قوة عقلية قدر بها أن يطلع على بواطن الأمور ويقف على الأسرار الإلهية