حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 544
فَأَتَتْ بِهِ أي مع ولدها قَوْمَها راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس تَحْمِلُهُ حاملة إياه قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) بديعا منكرا، من فرى الجلد.
يا أُخْتَ هارُونَ يعنون هارون النبي عليه الصلاة والسّلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة: وقيل: كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة. وقيل:
هو رجل صالح أو طالح كان في زمانهم شبهوها به تهكما أو لما رأوا قبل من صلاحها أو شتموها به. ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) تقرير لأن ما جاءت به فرى، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ إلى عيسى أن كلموه ليجيبكم قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مع ولدها) إشارة إلى أن «به» في محل النصب على أنه حال من فاعل «أتت» أي أتت مصاحبة به نحو: جابثيا به أي ملتبسا بها وقوله: «حاملة إياه» يحتمل أن يكون حالا ثانية من فاعل «أتت» وأن يكون حالا من الهاء في «به» . قوله: (بعد ما طهرت من النفاس) بناء على ما روي عن ابن عباس: أن يوسف النجار احتمل مريم وابنها وانتهى بهما إلى غار فأدخلهما فيه ومكثوا به أربعين يوما حتى طهرت من النفاس ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: أماه أبشري فإني عبد اللّه ومسيحه. قوله: (بديعا) من قولهم: فلان يفري الفرى أي يأتي بالعجب في عمله. وطاهر اللفظ يحتمل أن يراد أنك قد جئت شيئا عجيبا خارجا عن العادة من غير قصد التعيير والذم، إلا أن المصنف حمله على الذم حيث اتبعه بقوله: «منكرا لقولهم» بعد يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ فإن ظاهر هذا القول التوبيخ. قوله: (وكانت من أعقاب من كان معه) أي كانت مريم ممن يعقب هارون النبي عليه الصلاة والسّلام في طبقة الأخوة بأن تكون مريم من نسل أخت هارون أو أخيه. وقيل:
ليست من نسل أخت هارون أو أخيه بل كانت من نسل نفسه عليه السّلام وإنما قيل لها يا أُخْتَ هارُونَ بمعنى يا واحدة من قبيلة هارون بأن يراد بهارون القبيلة التي هو أبوها كما يقال: يا أخا همدان أي يا واحد منهم وهمدان اسم قبيلة. قوله: (أو لما رأوا قبل من صلاحها) عطف على قوله: «تهكّما» يعني أنهم شبهوها بالرجل الصالح المسمى بهارون وسموها باسمه على سبيل الاستعارة التهكمية المبنية على تشبيه أحد الضدين بالآخر بجامع الضدية تنزيلا للتضاد منزلة التناسب بواسطة التهكم، أو على سبيل الاستعارة التحقيقية على معنى: كنت عندنا مثله في الصلاح. قوله: (أو شتموها به) عطف على قوله: «شبهوها به» الأول نشر لقوله: «هو رجل صالح» والثاني نشر لقوله: «أو طالح» والمعنى أنت في الحال مثله والشخص يقال له: يا شبيه الفاسق سب له. روي أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح يسمى هارون نسب إليه كل من عرف بالصلاح وذلك أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون