حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 545
ولم نعهد صبيّا في المهد كلمه عاقل. و «كان» زائدة والظرف صلة من و «صبيّا» حال من المستكن فيه أو تامة أو دائمة كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: 17] وآيات أخرى. أو بمعنى صار.
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ أنطقه اللّه تعالى به أولا لأنه أول المقامات وللرد على من يزعم ربوبيته. آتانِيَ الْكِتابَ الإنجيل وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) .
وَجَعَلَنِي مُبارَكًا نفّاعا معلما للخير. والتعبير بلفظ الماضي إما باعتبار ما سبق في قضائه أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع. وقيل: أكمل اللّه عقله واستنبأه طفلا. أَيْنَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألفا كلهم يسمون بهارون تبرّكا به وباسمه. قوله: (وصبيّا حال) أي وليس بخبر «لكان» لأنها زائدة لا تنصب الخبر. والمعنى: كيف نكلم من استقر في المهد حال كونه صبيّا. وقيل:
«كان» تامة بمعنى وجد «فصبيّا» حال من الضمير فيه. وقيل: إنها دائمة أي ناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع، ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف ما زال. ولفظ «كان» وإن كان يفيد تقييد مضمون الجملة بالزمان الماضي مطلقا إلا أن المراد منه في الآية الزمان القريب بقرينة المقام. والمعنى: كيف نكلم من كان بالأمس وقريبا من هذا الوقت في المهد؟ وغرضهم من ذلك استمرار حال الصبي به وأن عيسى لم يبرح بعد عنه ولو تكلم من هو بالمهد لم يكن فيه أهلية تلك الوكالة من حيث إن حاله كالشاهد على ذلك. قوله: (أو بمعنى صار) أي كيف نكلم من صار في المهد صبيّا؟ فصبيّا على هذا خبرها. قيل: المهد محرابها لما روي أنها أخذته في خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا ما قالوا. والمهد يطلق على المقر مطلقا كما في قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا [النبإ: 6] وقيل: هو مهد الصبي أي كيف نكلم صبيّا سبيله أن ينام في المهد ومن أهله؟ وإن لم يكن في تلك الحال موضوعا فيه. فإن قيل: كيف عرفت مريم من حال عيسى أنه يتكلم، أجيب عنه بأن جبريل أو عيسى عليهما الصلاة والسّلام نادى من تحتها أن لا تَحْزَنِي وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت فصار ذلك كالتنبيه لها على أن المجيب هو عيسى، أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكريا أو بالوحي إليها على سبيل الكرامة لها.
قوله: (وللرد على من يزعم ربوبيته) يعني أن الحاجة في ذلك الوقت وإن كانت إلى دفع تهمة الزنى عن أمه إلا أن اللّه تعالى أنطقه أول ما تكلم بأن يقر على نفسه بالعبودية للّه عز وجل لئلا يتخذه النصارى آلها، كأنه تعالى جعل إزالة التهمة عن ذاته المقدسة أولى من إزالة التهمة عن مريم، فلذلك أنطقه أول ما تكلم بقوله: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ. قوله: (نفّاعا معلما للخير) حيث ينتفع أصحاب الآفات بسبب دعائه فإنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه