حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 546
ما كُنْتُ حيث كنت وَأَوْصانِي وأمرني بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ زكاة المال إن ملكته، أو تطهير النفس عن الرذائل، ما دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وبارّا بها عطف على مباركا. وقرئ بالكسر على أنه مصدر وصف به، أو منصوب بفعل دل عليه أوصاني أي وكلفني برّا. ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفا على الصلاة. وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) عند اللّه من فرط تكبره
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) كما هو على يحيى والتعريف للعهد. والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه فإنه لما جعل جنس السّلام على نفسه عرض بأن ضده عليهم كقوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [طه: 47] فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى.
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي الذي تقدم نعته هو عيسى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأبرص، وأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبل نفسه. قوله: (وأمرني بالصلاة) قيل: قوله: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد بلوغه حد التكليف وحصول شرائط الوجوب والأداء، ولا يفيد أن جعله اللّه تعالى لما انفصل عن أمه قوي التركيب كامل العقل بحيث يمكنه أداء الصلاة والزكاة مع صغر جثته وآتاه الكتاب وسائر ما خص به من الفضائل، ولكن هذا هو الأوفق لقوله: ما دُمْتُ حَيًّا فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه إليه في جميع زمان حياته. والآية تدل أيضا على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل مرة أخرى. قوله: (ولم يجعلني جبّارا شقيّا عند اللّه من فرط تكبره) لما كان المقصود من عطف هذه الجملة على ما قبلها تأكيد مضمون ما قبلها، كان المعنى: وجعلني برّا خاضعا متواضعا لأمي، ولم يجعلني عاتيا متكبرا مضيعا لحق والدتي التي تأكد حقها لقيامها مقام الوالدين، إلا أنه عليه الصلاة والسّلام عبّر عن هذا المعنى بما يستلزمه وهو كونه جبارا شقيا في علم اللّه لكون الكناية أبلغ من التصريح. قوله: (والتعريف للعهد) والمعهود هو السّلام المذكور في قصة يحيى عليه الصلاة والسّلام وهو قوله تعالى: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 15] فالمعنى: والسّلام الموجه إليه في المواطن الثلاثة موجه إليه أيضا، لكن السّلام المعين الذي توجه إلى يحيى يستحيل أن يتوجه إلى شخص آخر. وغاية الأمر أن يتوجه إليه مثله وهو غير معهود، بل ليس ذلك الكلام المتوجه إلى يحيى أيضا معهودا بين عيسى وبين قومه إذ لم يجز بينهم ذكره. ومن حق المشار إليه بلام العهد أن يكون معهودا فكان حمل الكلام على العهد خفيّا، والأظهر أن يحمل على الجنس والتعريض باللعنة على من اتهم مريم بالزنى. ووجه كونه للتعريض أن اللام للجنس فلما قال: وجنس السّلام عليّ أصالة وعلى اتباعي تبعا، فقد عرض بأن ضد ذلك على من