حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 547
ابن مريم، لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله الموصوف بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم. قَوْلَ الْحَقِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عداه. وروي عن عيسى عليه الصلاة والسّلام أنه قال ليحيى: أنت خير مني سلم اللّه عليك وسلمت على نفسي. وأجاب الحسن فقال: إن تسليمه على نفسه تسليم اللّه عليه لأنه إنما فعله بإذن اللّه. قال الإمام: واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه الصلاة والسّلام تكلم في المهد وفي زمان الطفولية، واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتواتر الدواعي إلى نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر، ولو كان كذلك لعرفه النصارى لا سيما وهم أشد الناس بحثا عن أحواله وأشد الناس غلوّا فيه حتى زعموا كونه إلها. فلما لم يعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد، ولأن اليهود أظهروا عداوته لما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه الصلاة والسّلام تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم، فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم. وأما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة أمه من الزنى لما تركوا إقامة حد الزنى عليها، ففي تركهم لذلك دلالة على أنه عليه الصلاة والسّلام تكلم في المهد. وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان الحاضرون عند كلامه قليلين فلذلك لم يشتهر، وعن الثانية بقولهم: لعل اليهود ما حضروا هناك وما سمعوا كلامه وإنما سمع كلامه أقاربه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله. انتهى كلامه.
قوله: (وهو تكذيب لهم فيما يصفونه) من أنه ابن اللّه أو هو اللّه أو ثالث ثلاثة. ووجه التكذيب أنه تعالى أشار إليه عليه الصلاة والسّلام بقوله: ذلِكَ أي ذلك الموصوف بهذه الصفات المذكورة بقوله: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ الخ وأخبر عنه بأنه عيسى ابن مريم ونص على أنه ولد هذه المرأة. وقد ذكر قبل أن أمه لما انتبذت به مكانا شرقيّا أرسلنا إليها روحنا فوهب لها غلاما زكيّا بأن نفخ في قميصها فحملته ووضعته عند جذع النخلة. وهذه المذكورات توصيف له عليه الصلاة والسّلام بأضداد ما يصفه النصارى به فهو تكذيب لهم بما يكون برهانا على كذبهم، فهو أبلغ من أن يقال لهم: كذبتم فيما وصفتموه به. قوله: (ثم عكس الحكم) أي بأنهم حكموا بأنه عليه الصلاة والسّلام هو اللّه أو ابنه فقال تعالى: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ حيث صرح بنفي الولد عنه وأحاله أي لا يصح له ذلك ولا ينبغي بل يستحيل وأكد بقوله: سُبْحانَهُ [البقرة: 116؛ النساء: 171] وآيات أخرى. ثم بيّن استحالة ذلك بقوله: إِذا قَضى أَمْرًا فإن قضى هنا بمعنى خلق كما في قوله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ والمراد أنه إذا أراد خلق شيء فإنه يكون من غير توقف على سبب وآلة، ووجه الدلالة أن من كان كل شأنه ذلك كان منزّها عن اتخاذ الولد لعدم احتياجه حينئذ إلى شيء.