حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 592
يأوي إليه بالعبودية والانقياد. وقرئ «آت الرحمن» على الأصل
لَقَدْ أَحْصاهُمْ حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوزة علمه وقبضة قدرته. وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) أي عدّ أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده بمقدار
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (95) منفردا من الأتباع والأنصار فلا يجانسه شيء من ذلك ليتخذه ولدا ولا يناسبه ليشرك به.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96) سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها. وعن النبي عليه الصلاة والسّلام: «إذا أحب اللّه عبدا يقول لجبرائيل: أحببت فلانا فأحبه.
فيحبه جبرائيل فينادي في أهل السماء: أن اللّه قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء.
ثم توضع له المحبة في الأرض». والسين لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعده ذلك إذا دحا الإسلام، أو لأن الموعود في القيامة حين يعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل.
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ بأن أنزلناه بلغتك، والباء بمعنى «على» أو على أصله لتضمن «يسرنا» معنى أنزلنا أي أنزلناه بلغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الصائرين إلى التقوى وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) أشداء الخصومة آخذين في كل لديد أي شق من المراء لفرط لجاجهم فبشر به وأنذر.
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ تخويف للكفرة وتجسير للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على إنذارهم هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ هل تشعر بأحد منهم وتراه أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) وقرئ «تسمع» من أسمعت. والركز الصوت الخفي. وأصل التركيب هو الخفاء ومنه: ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون. عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء المذكورين فيها وبعدد من دعا اللّه في الدنيا ومن لم يدع» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ أَحَدٍ و «مِنْهُمْ» حال من «أَحَدٍ» إذ هو في الأصل صفة له، فلما قدم عليه انقلب حالا ومن أحد مفعول زيدت فيه «من» . وقرئ «تسمع» بضم التاء وفتح الميم مبنيا للمفعول.
والركز الصوت الخفي من غير أن ينطق بفم ويتركب من حروف مثل صوت ما يركز في الأرض. تم هنا ما يتعلق بسورة مريم عليهاالسّلام وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين. آمين.