فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 613
في وقت آخر. إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك لا على وجه النبوة كما أوحي إلى مريم. ما يُوحى (38) ما لا يعلم إلا بالوحي أو مما ينبغي أن يوحى، ولا يخلّ به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به.
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ بأن أقذفيه أو أي أقذفيه لأن الوحي بمعنى القول. فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِ القذف يقال للإلقاء وللوضع كقوله تعالى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الأحزاب: 26] وكذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موسى فكيف لا يعطيه مراده بعد السؤال. والمعنى: مننا عليك الآن بإتيانك سؤلك وقد سلفت لنا منن عليك أخرى. قوله: (في وقت آخر) إشارة إلى أن مرة ظرف «مننا» أي مننا عليك في وقت آخر ذي مرة. والمرة واحدة المر الذي هو مصدر قوله: مر يمر مرا ومرورا أي ذهب. فإن قيل: لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننا كثيرة؟ أجيب بأنه ليس المراد مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير، والمنن المذكورة ههنا ثمان:
الأولى قوله: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى [طه: 38] والثانية قوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً [طه: 39] والثالثة قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه: 39] والرابعة قوله: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ [طه: 40] والخامسة قوله تعالى: وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ [طه: 40] والسادسة قوله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه: 40] والسابعة قوله: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى [طه: 40] والثامنة قوله: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 41] . قوله: (بإلهام أو في منام) يعني أن المراد من هذا الوحي ليس هو الوحي الواصل إلى الأنبياء لأن أم موسى ما كانت من الأنبياء فإن المرأة لا تصلح للإمارة والقضاء، فكيف تصلح للنبوة؟ ويدل عليه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف: 109؛ النحل: 43؛ الأنبياء: 7] فلذلك اختلف في المراد من هذا الوحي على وجوه: أحدها أن أم موسى رأت رؤيا تأويلها وضع موسى عليه الصلاة والسّلام في التابوت وقذفه في البحر، وأن اللّه يرده إليها. وثانيها أن المراد بالوحي الإلهام بأن أوقع اللّه تعالى في قلبها عزيمة جازمة على أن تلقيه في التابوت ثم تقذف التابوت في اليم وهو نيل مصر في قوله: «جميع المفسرين» فإن اليم يقع على البحر والنهر العظيم. وثالثها أن المراد بالوحي إليها أنه تعالى أوحى ذلك إلى بعض الأنبياء المبعوث في ذلك الزمان كشعيب عليه الصلاة والسّلام أو غيره، ثم إن ذلك النبي عرفها ما أوحي إليه إما مشافهة أو مراسلة. ورابعها لعله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة بل على طريق بعثه جبريل إلى مريم في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: 17] وبلغ ذلك الملك إليها ما أوحي إليه. قوله: (ولا يخلّ به) بضم الياء وفتح الخاء من أخلّ الفارس بمركبه إذا ترك موضعه الذي عيّنه له الأمير وقوله: «لعظم شأنه» تعليل لقوله: «لا يعلم إلا بالوحي» . قوله: (وفرط الاهتمام به) تعليل لقوله: ينبغي