فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 621
حدث في تضاعيف ذلك من الآية، والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم. ولذلك قدم الأول أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى.
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة، من فرط إذا تقدم، ومنه: الفارط، وفرس فرط يسبق الخيل. وقرئ «يفرط» من أفرطته إذا حملته على العجلة أي نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان أنسي أو جني على المعاجلة بالعقاب ويفرط من الإفراط في الأذية. أَوْ أَنْ يَطْغى (45) أن يزداد طغيانا فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته، وإطلاقه من حسن الأدب.
قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالحفظ والنصرة أَسْمَعُ وَأَرى (46) ما يجري بينكما وبينه من قول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(والتذكير للمتحقق) أي للمتيقن بالحق. الجوهري: حققت الأمر وأحققته أيضا إذا تحققته وصرت منه على يقين، وحققت قوله وظنه تحقيقا أي صدقت. والمعنى: قولا له ذلك راجين أن يترك الإصرار على إنكار الحق وتكذيبه: إما بأن يتذكر أي يتعظ ويقبل الحق قلبا وقالبا وبأن يتوهم أنه حق فيخشى بذلك من أن يصر على الإنكار ويبقى مترددا ومتوقفا بين الأمرين، وذلك خير بالنسبة إلى الإنكار والإصرار عليه. قوله: (أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة) فيتعطل المطلوب من الإرسال إليه. فإن قيل: كيف يخاف موسى وقد آتاه اللّه تعالى سؤله وشرح صدره، وشرح الصدر ينافي حصول الخوف؟
قلنا: لا نسلم ذلك لأنه قد مر أن السؤال أن يوسع اللّه قلبه ليتحمل إعباء دعوة فرعون إلى عبادة اللّه تعالى، وللصبر على مشاقه ولتلقي ما يوحى إليه على وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف. وحصول الشرح بهذا المعنى لا ينافي حصول الخوف من استعجال فرعون في عقوبتهما قبل إتمام الدعوة وإظهار المعجزة، وأن تفوت الفائدة المطلوبة من إرسالهما إليه من إلزام الحجة وقطع المعذرة ونحو ذلك.
قوله: (وإطلاقه) أي عدم تقييد قوله: أَوْ أَنْ يَطْغى بذكر متعلقه بأن يقال: أو أن يطغى عليك، كما ذكر متعلق (بفرط) وهو عَلَيْنا في قوله: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا لأن تجريده عن القيد من حسن الأدب والتحاشي عن النطق بالقبيح، فإن المعنى: أو أن يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك. قوله تعالى: (لا تَخافا) ليس المراد منه النهي عن الخوف لأنه من حيث كونه أمرا طبيعيا لا مدخل للاختيار فيه لا يدخل تحت التكليف ثبوتا وانتفاء، بل المراد التسلي بوعد الحفظ والنصرة فإنه ليس المراد من المعية المعية المكانية بل المراد منها ما يلزمها من الحفظ والنصرة. كأنه قيل: إنني حافظكما وناصركما. قوله: (أسمع وأرى ما يجري ما بينكما وبينه) يعني أن قوله تعالى: أَسْمَعُ