فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 652
حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (91) وهذا الجواب يؤيد الوجه الأول
قالَ يا هارُونُ أي قال له موسى لما رجع ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) بعبادة العجل
أَلَّا تَتَّبِعَنِ أن تتبعني في الغضب للّه والمقاتلة مع من كفر به، أو أن تأتي عقبي وتلحقني. و «لا» مزيدة كما في قوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف: 12] أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) بالصلابة في الدين والمحاماة عليه
قالَ يَا بْنَ أُمَ خص الأم استعطافا وترفيقا. وقيل: لأنه كان أخاه من الأم. والجمهور على أنهما كانا من أب وأم، لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي أي بشعر رأسي قبض عليهما يجره إليه من شدة غيظه وفرط غضبه للّه. وكان عليه الصلاة والسّلام حديدا خشنا متصلبا في كل شيء فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل. إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) حين قلت: اخلفني في قومي وأصلح، فإن الإصلاح كان في حفظ الدهماء والمداراة بهم إلى أن ترجع إليهم فتدارك الأمر برأيك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأفعال. قوله: (يؤيد الوجه الأول) وهو أن يكون هارون عليه الصلاة والسّلام قال لهم ذلك بعد ما شاهد منهم افتتانهم بعبادة العجل قبل مجيء موسى عليه الصلاة والسّلام بعد ما قال السامري ما قال، ووجه التأييد أن جوابهم بأن قالوا: لن نبرح مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى، إنما يلائم الوجه الأول دون الثاني.
قوله: (أن تتبعني في الغضب) يعني أن المراد باتباع هارون إياه: إما الاتباع في أخلاق أخيه وسيرته أو اللحوق به وترك المقام بين أظهر المرتدين. والمحامات المخاصمة والمخالفة يقال: حميت عليه بالكسر إذا غضبت. واعلم أن المصنف حمل الأمر في قول موسى عليه الصلاة والسّلام لأخيه أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي على أمره إياه بالصلابة في الدين وإظهار البغض والخصومة مع المخالفين، وحمل القول في قول هارون له: وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي على قول موسى له: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: 142] لئلا يرد ما يقال:
قول موسى له: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي يدل على أنه أمره بشيء وأن أخاه لم يمتثل أمره، فكيف يحسن أن يقول أخوه في جوابه: إنما لم امتثل قولك خوفا من أن تقول: لم ترقب قولي، فهل يصدر مثله من العاقل؟ وعلى تفسير المصنف يكون حاصل الجواب: خالفت أمرك إياي بالصلابة في الدين والمقاتلة عليه خوفا من أن تقول: لم ترقب قولي ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: 142] ولا محذور في هذا الجواب. غاية ما في الباب أن هارون قيد أمر موسى إياه بالصلابة في الدين بأن لا تكون تلك الصلابة مؤدية إلى تفرقة الدهماء بين بني إسرائيل واختلال انتظامهم.