فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 664
وعرقهم راسخ في النسيان. مِنْ قَبْلُ من قبل هذا الزمان فَنَسِيَ العهد ولم يعن به حتى غفل عنه أو ترك ما وصّى به من الاحتراز عن الشجرة. وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) تصميم رأي وثبات على الأمر، إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان ولم يستطع تغريره. ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق شريها وأريها.
وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال اللّه تعالى ولم نجد له عزما». وقيل: عزما على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمده. «ولم نجد» إن كان من الوجود الذي بمعنى العلم فله «عزما» مفعولاه وإن كان من الوجود المناقض للعدم فله حال من «عزما» أو متعلق «بنجد» .
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ مقدر باذكر أي اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات.
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قد سبق فيه القول أَبى (116) جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود وهو الاستكبار وعلى هذا لا يقدّر له مفعول مثل السجود المدلل عليه بقوله:
«فسجدوا» لأن المعنى أظهر الآباء عن المطاوعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد. فظهر أن أمر البشر في ترك التحفظ أمر قديم. قوله: (ولم يعن به) أي لم يهتم به ولم يعتد به الاعتداد الصادق يقال:
عنيت بحاجتك بضم أوله أعنى بها عناية. قال عليه الصلاة والسّلام: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . أي يهمه. قوله: (تصميم رأي) معنى العزم في اللغة توطين النفس على الفعل. والمعنى: لم نجد له رأيا معزوما عليه حيث جرى على ما وسوس إليه إبليس اللعين الذي حسده وأبى أن يسجد له. وقيل: لم نجد له حفظا لما أمر به. وقيل: صبرا عما نهي عنه. قوله: (ويذوق شريها وأريها) الشرى بفتح الشين وسكون الراء المهملة الحنظل، والأرى بفتح الهمزة وسكون الراء العسل. أي لعله كان ما وقع منه من نسيان العهد وعدم الثبات على الأمر قبل أن يذوق مر الأمور وحلوها، لا من نقصان عقله وقصور حلمه فإنه أرجح الناس عقلا وأوفرهم حلما، لما روي من الحديث. وقال الحسن: كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده ثم قال تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسّلام مع ذلك أثر فيه وسوسته فكيف في غيره؟.
قوله: (وعلى هذا لا يقدّر له مفعول) لأن قوله: أبى السجود لا يصلح جوابا لقول من قال: لم لم يسجد؟ بخلاف أبى بمعنى أنه فعل الإباء وأظهره، وأنه من أهل الإباء عن طاعة المولى. ولا فائدة في إفادة هذا الغرض لبيان تعلقه بمفعوله فلذلك نزل منزلة اللازم. ثم إنه تعالى أشار بقوله: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ إلى علة أخرى لعصيانه وهو حسده الذي هو سبب عداوته لهما. فإن اللعين كان حسودا فلما رأى نعم اللّه في حق آدم