حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 4
اقترب حساب الناس، ثم اقترب للناس الحساب، ثم اقترب للناس حسابهم وخص الناس بالكفار لتقييدهم بقوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) أي في غفلة من الحساب معرضون عن التفكّر فيه. وهما خبران للضمير. ويجوز أن يكون الظرف حالا من المستكن في «مُعْرِضُونَ»
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ينبّههم من سنة الغفلة والجهالة مِنْ رَبِّهِمْ صفة «لذكر» أو صلة «ليأتيهم» مُحْدَثٍ تنزيله ليكرر على أسماعهم التنبيه كي يتعظوا. وقرئ بالرفع حملا على الحمل. إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) يستهزئون به ويستسخرون منه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور والتفكر في العواقب. و «هُمْ يَلْعَبُونَ» حال من الواو وكذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تأكيدا للإضافة لم يكن المقترب له أي المدنو منه مذكورا للعلم به فيصير المعنى كما قيل: اقترب حساب الناس أي الحساب الذي للناس، فلما كانت اللام لتأكيد الاختصاص المستفاد من الإضافة كان أصل المعنى اقترب حساب الناس لأن المقصود بيان دنو وقت حسابهم وهو يحصل من هذا التركيب. ثم قدم المضاف إليه وأدخل عليه اللام الجارة المفيدة لاختصاص الحساب بهم المدلول عليه بالإضافة، وعرف الحساب تعريف الجنس فصار اقترب للناس الحساب على أن «للناس» ظرف مستقر قدم على الحساب لكون العناية مصروفة إل ذكر المقترب له وبيان أن الحساب لهم لا لغيرهم. وفي التقديم والتصريح باللام وتعريف الحساب مبالغات ليست في قولك: اقترب حساب الناس، ثم حذف لام التعريف من الحساب وأضيف إلى ضمير الناس تأكيدا لاختصاص الحساب بهم المدلول عليه بلام الاختصاص، فإن قيل: إذا كان اقترب للناس مقدما في الاعتبار على أن يقال: اقترب للناس حسابهم لم يكن اللام تأكيدا للإضافة، بل يكون الأمر بالعكس؟ فالجواب أنه إذا كان أحدهما تأكيدا للآخر كان كل واحد منهما مؤكدا بالآخر فصح جعل اللام تأكيدا للإضافة.
ومعنى التأكيد أن كل واحدة من اللام الجارة والإضافة مغنية عن الأخرى فإذا جمع بينهما كانت إحداهما تأكيدا للأخرى. قوله: (معرضون عن التفكّر فيه) فإن العقول السليمة حاكمة بأنه لا بد من الحساب والجزاء وإلا لزم التسوية بين المطيع والعاصي والمتقين والفجار، وهي بعيدة عن مقتضى الحكمة والعدالة.
قوله: (محدث تنزيله) يعني أن المراد بالذكر كلام اللّه تعالى الذي يذكرهم ما لهم وما عليهم وهو صفة أزلية قديمة، إلا أنه تعالى أنزله بالتفاريق وأحدث تنزيله في كل وقت على حسب المصالح وقدر الحاجة. فذات المنزل أزلي قديم والمحدث إنما هو تنزيله، فظهر الجواب عن استدلال المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن محدث قائلين: إن القرآن ذكر لقوله تعالى في صفة القرآن إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [يوسف: 104] والذكر محدث بهذه الآية