حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 5
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ أي استمعوه جامعين بين الاستهزاء به والتلهي والذهول عن التفكر فيه. ويجوز أن يكون من واو «يَلْعَبُونَ» وقرئت بالرفع على أنه خبر آخر للضمير.
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى بالغوا في إخفائها أو جعلوها بحيث خفي تناجيهم بها. الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو «وأسرّوا» للإيماء بأنهم ظالمون فيما أسرّوا به أو فاعل له. والواو لعلامة الجمع أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره وأصله: وهؤلاء أسرّوا النجوى فوضع الموصول موضعه تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم، أو منصوب على الذم. هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) بأسره في موضع النصب بدلا من «النجوى» أو مفعولا لقول مقدر كأنهم استدلوا بكونه بشرا على كذبه في ادعاء الرسالة لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكا، واستلزموا منه أن ما جاء به من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالقرآن محدث. وأجيب عنه أيضا بأن الموصوف بالإتيان وبأنه ذكر هو المركب من الحروف والأصوات وحدوثه مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع في قدم كلام اللّه تعالى عز وجل بمعنى آخر فقوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ الآية بيان لكونهم معرضين، وذلك لأن اللّه تعالى يجدد لهم الذكر كل وقت ويظهر لهم الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم الموعظة ليتعظوا فما يزيدهم ذلك إلا استسخارا. قرأ العامة «محدث» بالجر على أنه صفة «لذكر» محمول على لفظه وقرئ مرفوعا حملا على محله لأن «من» مزيدة فيه كما في: ما جاءني من أحد. قوله: (لاهية قلوبهم) أي متشاغلة عن التأمل فيه من:
لهيت عن الشيء الهي لهيا ولهيانا بالضم من باب علم إذا غفلت عنه. قدم ذكر اللعب على اللهو كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [محمد: 36] تنبيها على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والاستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة، فإنهم إنما أقدموا على اللعب لذهولهم عن الحق. قوله: (أي استمعوه جامعين) على تقدير أن يكونا حالين مترادفين من واو استمعوه، وإن كان «لاهية» حالا من واو يلعبون يكون من قبيل الأحوال المتداخلة لكون الحال الأولى عاملة في الثانية. قوله: (بالغوا في إخفائها) جواب عما يقال من أن النجوى اسم من التناجي فلا تكون إلا خفية، فما معنى قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أجاب عنه أولا بأن معناه بالغوا في إخفائها، وثانيا بأن المعنى جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون. قوله: (بدل من واو أسرّوا) فيكون واو أسروا ضميرا عائدا إلى ما عاد إليه سائر ضمائر المذكورة ويكون المقصود من إبدال قوله الذين ظلموا من الواو الإعلام بأنهم المبالغون في الظلم، وذلك لأنه جعل الذين ظلموا مفسرا لهم بهذا الإبدال وإن كان الذين ظلموا فاعلا يكون واو أسروا حرفا جيء به للدلالة على أن الفاعل جمع كما يؤتى بالتاء للدلالة على أن الفاعل