حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 6
الخوارق كالقرآن سحر فأنكروا حضوره، وإنما أسرّوا به تشاورا في استنباط ما يهدم أمره ويظهر فساده للناس عامة.
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ جهرا كان أو سرّا فضلا عما أسرّوا به وهو آكد من قوله: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: 6] ولذلك اخنير ههنا وليطابق قوله: «وأسروا النجوى» في المبالغة.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص «قال» بالإخبار عن الرسول. وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) فلا يخفى عليه ما تسرون ولا ما تضمرون.
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ إضراب لهم عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط الأحلام، ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول شاعر.
والظاهر أن «بل» الأولى لتمام الحكاية والابتداء بأخرى أو للإضراب عن تحاورهم في شأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما ظهر عليه من الآيات، إلى تقاولهم في أمر القرآن. والثانية والثالثة لإضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه وخلطت عليه إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها. ويجوز أن يكون الكل من اللّه تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد لأن كونه شعرا أبعد من كونه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤنث. قوله: (وإنما أسرّوا به تشاورا) لما كان هذا الحديث منهم على طريق التشاور فيما بينهم. والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره لا جرم أسروا به لأن عادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم. قوله: (جهرا كان أو سرّا) إشارة إلى جواب ما يقال: هلا قيل: يعلم السر حتى يطابق قوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى؟ وتقريره: إن القول عام يشمل السر والجهر فكان العلم بالقول العلم بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السر الواقع كما أن قوله: يعلم السر آكد من قوله: يعلم سرهم مع أنه مطابق لقوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى لأن النجوى هو القول الواقع بطريق المسارة والمطلق مطابق لكل واحد مما تحته. قوله: (ولا ما تضمرون) إشارة إلى أن متعلق قوله:
الْعَلِيمُ هو ما أضمروه في نفوسهم من غير أن يتكلموا به لا سرّا ولا جهرا لقوله تعالى:
يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال الإمام: قدم السمع على العلم لأنه لا بد من سماع الكلام أولا ثم حصول العلم بمعناه ولا يخفى أن هذا التوجيه لا يصح فيما أسند إليه تعالى من السماع.
قوله: (إضراب لهم) يعني أن الإضرابات المذكورة في هذه الآية واقعة في كلام الذين ظلموا حكاها اللّه تعالى عنهم كما وقعت في كلامهم للدلالة على كونهم متحيرين خابطين خبط عشواء لا يميزون بين مضرب عنه ومضرب منه لا يدرون ما يقولون ولا يجدون متمسكا ينفعهم في هدم أمره وإظهار فساد ما ادعاه من الرسالة. ولما كان هذا التوجيه مشكلا من حيث إن الإضرابات المذكورة لو كانت واقعة في كلام الكفرة وأنه تعالى حكاها عنهم كما