حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 7
مفترى لأنه مشحون بالحقائق والحكم، وليس فيه ما يناسب قول الشعراء وهو من كونه أحلاما لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع، والمفترى لا يكون كذلك بخلاف الأحلام. ولأنهم جربوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نيفا وأربعين سنة وما سمعوا منه كذبا قطّ وهو من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقعت لوجب أن يكون قالُوا مقدّما على «بَلْ» بأن يقال: قالوا بل أضغاث أحلام ليفيد الكلام حكاية إضرابهم، وتقديم «بَلْ» على «قالُوا» لا يفيد ذلك. قال المصنف: والأظهر أن تكون «بل» الأولى إضرابا منه تعالى عن حكاية قولهم: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [الأنبياء: 3] إلى حكاية قولهم في حق القرآن أنه أضغاث أحلام. أو يكون إضرابا عن محكي أي عن التحاور في شأنه عليه الصلاة والسّلام وفي شأن ما جاء به من الخوارق إلى التقاول في أمر القرآن، وأن تكون «بل» الثانية والثالثة من كلام الكفرة أضربوا بهما عن قولهم في أمر القرآن أنه أضغاث أحلام إلى أنه مفترى إلى أنه كلام شعري. ثم جوّز أن تكون كلمة «بل» من كلام اللّه تعالى لا محكية عن الكفرة لأن الكلام المحكي ما يقع بعد القول فيفيد الكلام أن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث من الثاني، والرابع من الثالث. ووجه إفادة «بل» هذا المعنى أن الإضراب قد يكون لإبطال الكلام الأول وقد يكون للانتقال منه إلى خبر آخر أهم من الأول، والإضراب الواقع في كلام اللّه تعالى لا يحمل على الأول لأنه يستلزم أن يكون الأول باطلا في نفسه أو غلطا، واللّه تعالى منزه عن ذلك، فلا بد أن يكون الإضراب الواقع فيه للانتقال إلى الأهم والأهم في مقام بطلان مقالة القوم بيان ما هو أفسد بالنسبة إلى الأول فيكون ما بعد «بل» في مثل هذا المقام أفسد بالنسبة إلى ما قبلها.
قوله: (وليس فيه ما يناسب قول الشعراء) لأن الشعر تخيلات ملفقة وتمويهات مزخرفة يدعو إلى الهوى والشيطان. والقرآن يدعو إلى الهدى وطاعة الرحمن وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين وقولهم:
إنه كلام مفترى من عند نفسه مع كونه باطلا في نفسه لأن القوة البشرية وإن استفرغت طوقها لا تطيق إتيان مثله فهو أبعد من قولهم إنه أضغاث أحلام مع كونه فاسدا في نفسه، من حيث إن الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير كيف يتصور كونه من تخاليط الأحلام؟ فهو أشد فسادا بالنسبة إلى قولهم إنه سحر لأن تشبيه النظم المعجز الفائق بالسحر أقرب من جعله من تخاليط الأحلام لقوله عليه الصلاة والسّلام: «إن من البيان لسحرا» .
والأضغاث الحزم من النبات وغيره فاستعير للتخاليط والأباطيل، شبهت تخاليط الأحلام وأباطيلها بحزم من أخلاط النبات في كونها مخلوطة من أشياء غير متناسبة، ثم استعملت في الأباطيل بقرينة إضافتها إلى الأخلاط. والحلم بضم الحاء وسكون اللام هو الرؤيا وضم