حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 12
وقيل: إن أهل حضور من قرى اليمن بعث إليهم نبي فقتلوه فسلط اللّه عليهم بخت نصر فوضع السيف فيهم، فنادى منادي من السماء: يا لثارات الأنبياء. فندموا وقالوا ذلك.
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ فما زالوا يرددون ذلك. وإنما سماه دعوى لأن المولون كأنه يدعو الويل ويقول: يا ويل تعال فهذا أوانك. وكل من «تلك» و «دعواهم» يحتمل الاسمية والخبرية. حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا مثل الحصيد. وهو النبت المحصود ولذلك لم يجمع. خامِدِينَ (15) ميتين من خمدت النار. وهو مع «حصيدا» بمنزلة المفعول الثاني كقولك: جعلته حلوا حامضا. إذا المعنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، أو صفة له أو حال من ضميره.
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التي خولتموها وتوسعتم فيها حتى بطرتم بها فكفرتم وأعرضتم عن من جعلها لكم أي عن حمده وشكره. قال الخليل: المترف الموسع عليه عيشه القليل فيه همه، والمعنى: ارجعوا إلى نعمكم وإلى مساكنكم التي تسكنونها لعلكم تسألون غدا عن أعمالكم أو ارجعوا إليها واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم، ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقولوا لكم بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون كعادة المخدومين أو لعل الناس تسألكم مما في أيديكم ويستشيرونكم في المهمات والنوازل، أو ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.
قوله: (يا لثارات الأنبياء) اللام فيه للاستغاثة والثأر الانتقام من القاتل بقتله مكان المقتول يقال: ثأر القتيل بالقتل أي قتل قاتله وبابه قطع. والمقصود من نداء الثارات الإخبار عن موجب دعائهم على أنفسهم بالويل حيث قالوا: يا وَيْلَنا وبينوا وجه استحقاقهم به بأن قالوا: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ على أنفسنا بتكذيب الرسل. قال تعالى: فَما زالَتْ تِلْكَ الكلمة وهي يا ويلنا دَعْواهُمْ أي دعاءهم «فتلك» مرفوع على أنه اسم ما زالت إن جعلت الدعوى منصوبة المحل على الخبرية أو منصوب على أنه خبر وأن الدعوى اسم وكل واحد من الوجهين جيد لأنهما معرفتان. وحَصِيدًا من باب التشبيه البليغ أي مثل ذلك الزرع المحصود والفعيل بمعنى المفعول يستوي فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. قوله: (وهو مع حصيدا بمنزلة المفعول الثاني) وليس كل واحد منهما مفعولا على حدة، لأن جعل لا يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل فإنه قد تعدى إلى مفعوله الأول وهو ضمير الجمع، فلا يتعدى به إلى مفعولين آخرين، فلذلك جعل حَصِيدًا خامِدِينَ بمنزلة مفعول واحد كما إذا قلت:
جعلته حلوا حامضا فإنه في معنى جعلته جامعا للطعمين. وكذلك ما نحن فيه فإن معناه جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود. قوله: (أو صفة له) عطف على قوله: «بمنزلة»