فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 27
فِي فَلَكٍ أي كل واحد منهما، والتنوين بدل من المضاف إليه. والمراد بالفلك الجنس كقولهم: كساهم الأمير حلة يَسْبَحُونَ (33) يسرعون على سطح الفلك إسراع السابح على سطح الماء، وهو خبر «كل» والجملة حال من «الشمس» و «القمر» ، وجاز انفرادهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمراد بالفلك الجنس) جواب عما يقال: كيف يصح أن يقال: كل واحد من الشمس والقمر يسبح في فلك مع أن لكل واحد منهما فلكا على حدة؟ فإن قولنا: كلهم في دار مثلا وإن احتمل أن يكون المراد منه كل واحد منهم في دار على حدة إلا أنه خلاف المتبادر، والمتبادر أن يكونوا مجتمعين في دار واحدة، وتبادر هذا المعنى إلى الفهم أمارة لكون اللفظ حقيقة فيه، وتقرير الجواب كون كل واحد منهما في فلك على حدة لما كان ثابتا بالرصد كان ذلك قرينة صارفة عن حمل لفظ في فلك على الواحد بالشخص، فتعين حمله على الواحد بالجنس كما يحمل عليه لفظ حلة بقرينة امتناع أن يكسي الجماعة حلة واحدة بالشخص. وقوله: يَسْبَحُونَ استعارة تبعية تشبيها لإسراع كل واحد منهما على سطح الفلك بإسراع السابح على سطح الماء وضمير الجمع فيه لكل واحد منهما، وإن كان واحدا بالشخص إلا أنه أعيد إليه ضمير الجمع لتعدده باعتبار المطالع. واحتج أبو علي بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله تعالى: يَسْبَحُونَ وبقوله: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: 4] قال: الجمع بالواو والنون لا يكون إلا للأحياء العقلاء العالمين. والجواب عنه ما أشار إليه المصنف من أنه لما أسند إليهم ما هو من أفعال العقلاء فعبّر عنهم بضمير العقلاء وهو السباحة والسجود نزلن منزلة العقلاء فعبّر عنهن بضمير العقلاء، ولما جعل «يسبحون» خبر «كل» وجعل جملة كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ حالا من الشمس والقمر، ورد أن يقال: كيف جاز أن يختص المعطوف بكونه ذا حال مع أن الحال قيد في متعلق العامل في ذي الحال، والعامل كما تعلق بالشمس والقمر تعلق بالليل والنهار أيضا؟ فينبغي أن يكون مضمون الجملة الحالية قيدا في المتعلق بالجميع.
فأجاب عنه بقوله: وجاز انفرادهما بها لعدم اللبس» لظهور أن السباحة في الفلك إنما تكون للشمس والقمر دون الليل والنهار كما تقول: رأيت زيدا وهندا متبرجة أي مظهرة زينتها.
واختلف الناس في حركات الكواكب، والوجوه الممكنة فيها ثلاثة: فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب تتحرك فيه أيضا إما مخالفة لجهة حركته أو موافقة لها. وإما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطئ ومخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب ساكنة. قالت الفلاسفة: الرأي الأول باطل لأنه يوجب خرق الفلك وهو محال، وكذا الرأي الثاني فإنه أيضا باطل لعين ما ذكر، فلم يبق إلا الاحتمال الثالث وهو أن يكون الكوكب مغروزا في