حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 55
بخلق اللّه فيها. وقيل: يسرن معه من السباحة وهو حال أو استئناف لبيان وجه التسخير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقال عليه الصلاة والسّلام: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا. وروي أنه عليه الصلاة والسّلام قال: غير هذا أرفق بالفريقين: فأخبرا داود بذلك فدعاه فقال: كيف كنت تقضي بينهما؟ وعلى الرواية الثانية أنه دعا سليمان فقال: بحق البنوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين؟ فقال: أن تسلم الغنم إلى صاحب الحرث حتى يرتفق بمنافعها وأن يعمل صاحب الغنم في إصلاح الحرث حتى يصير كما كان، ثم ترد الغنم إلى صاحبها والحرث إلى صاحبه. ولا يخفى أن إجماع الصحابة في بيان كيفية القصة على الوجه المذكور ينفي احتمال توافقهما في الحكم. لما بيّن اللّه تعالى ما آتاه داود وسليمان عليهما السّلام ذكر ما خص به داود فقال: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وهو العامل في «مع» وهو نظير قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: 10] و «يُسَبِّحْنَ» حال من «الْجِبالَ» و «الطَّيْرَ» معطوف على الجبال. وقيل: الواو فيه بمعنى مع كذا. أعرب أبو البقاء وإن جعل «يُسَبِّحْنَ» استئنافا جوابا لمن قال: كيف سخرهن؟ يكون قوله: «مع داود» حالا من «الجبال» أي سخرنا الجبال كائنة مع داود. والمراد بكونها معه إما تسبيحها معه تسبيحه وإما سيرها مع سيره، على أن يكون «يسبحن» المشدد بمعنى يسبحن الثلاثي من السبح الذي هو السباحة نقل إلى باب التفعيل للتكثير، ولو لم يقصد الكثرة لقيل: يسبحن، وإن كان من التسبيح بمعنى التقديس فالمراد بتسبيح الجبال معه تسبيح دلالة فإنهن يسبحن اللّه تعالى ويذكرنه بدلالة الحال قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44] إلا أن التسبيح بهذا المعنى لا يختص بكونها مع داود، ولعل وجه التخصيص أنه عليه الصلاة والسّلام كان يفهم تسبيح الجبال وما فيها من الأحجار والأشجار فيزداد يقينا وتعظيما ونشاطا في التسبيح والتقديس واشتياقا إليه. ويدل عليه ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: كان داود يفهم تسبيح الحجر والشجر، مع أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه. ويحتمل أن يكون المراد بتسبيح الجبال معه أن يتمثل له صوت التسبيح من جهتها على طريق انعكاس الصدى من الأجرام الصقيلة العالية، كما روي عن ابن وهب أنه قال: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح. ويجوز أن يكون تسبيح الجبال بأن يخلق اللّه تعالى فيها الكلام، فإن المتكلم والمسبح عند أهل السنة من يقوم به الكلام والتسبيح ويكون محلا لهما لا من يوجدهما، بخلاف المعتزلة فإن المتكلم عندهم من يوجد الكلام والجبال جمادات لا يصح منها الفعل ولا يصح إسناد التكلم إليها بأن يخلق اللّه تعالى فيها الكلام لأن المتكلم هو اللّه تعالى لا الجبال على زعمهم. قوله: (وقيل يسرن معه) عطف على قوله: «يقدسن» .