حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 57
قراءة أبي بكر ورويس بالنون للّه عز وجل. فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (80) ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع.
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ وسخرنا له الريح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«علمناه» . والبأس ههنا الحرب وإن وقع على السوء كله، والمعنى: ليمنعكم ويحرسكم من مكاره بأسكم كالقتل والجرح بنحو السيف والسهم والرمح. الجوهري: البأس العذاب والبأس الشدة في الحرب تقول منه: بؤس الرجل يبؤس بأسا إذا كان شديد البأس.
والخطاب المدلول عليه بقوله تعالى: لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ لهذه الأمة من أهل مكة ومن بعدهم إلى يوم القيامة. أخبر اللّه تعالى أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس منه فتوارثها الناس فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر، فلزمهم شكر اللّه تعالى على هذه النعمة فلذلك أوجب عليهم الشكر فقال: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ أي اشكروا اللّه تعالى على ما يسّر اللّه عليكم هذه الصنعة وحرسكم بها من مضار البأس والحرب. قال محيي السنة: يقول لداود وأهل بيته. وقيل: يقول لأهل مكة فهل أنتم شاكرون نعمتي بطاعة الرسول. انتهى كلامه. يريد أن الخطاب المذكور يجوز أن يكون لداود وأهل بيته بتقدير القول أي فقلنا لهم بعدما أنعمنا عليهم بهذه النعم هل أنتم شاكرون ما أعطى من النعم التي ذكرت من تسخير الجبال والطير وإلانة الحديد وعلم صنعة اللبوس.
قوله: (أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع) فإن تقريع الاستفهام عن مباشرة الفعل بعد بيان ما يوجب مباشرته أبلغ في إيجابه من الإيجاب بصورة الأمر لتضمنه التقريع على تركه بعد تحقق ما يوجبه، ومثله كثير ومنه قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] قيل: إن داود عليه الصلاة والسّلام خرج يوما متنكرا طالبا من يسأله عن سيرته في مملكته، فاستقبله جبريل عليه الصلاة والسلام على صورة آدمي ولم يعرفه داود عليه الصلاة والسّلام فقال له: كيف ترى سيرة داود في مملكته؟ فقال له جبريل عليه الصلاة والسّلام: نعم الرجل هو لولا أن فيه خصلة واحدة. قال: وما هي؟ قال: بلغني أنه يأكل من بيت المال وليس شيء أفضل من أن يأكل الرجل من كدّ يده. فرجع داود عليه الصلاة والسّلام وسأل اللّه تعالى أن يجعل رزقه من كدّ يده فألان له الحديد وكان يتخذ الدرع من الحديد ويبيعها ويأكل من ذلك، فذلك قوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ أي ألهمناه ويقال: علمناه بالوحي صنعة لبوس. ثم إنه تعالى لما ذكر النعم التي خص بها داود ذكر بعدها النعم التي خص سليمان بها فإنه تعالى ورث سليمان من داود ملكه ونبوته وزاد عليه أمرين: سخر له الريح والشياطين فقال: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ والعامة على نصب «الريح» بعامل مقدر أي وسخرنا الريح لسليمان. وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر الجار قبله و «عاصفة» حال من مفعول «سخرنا» المقدر على قراءة من نصب أو من فاعل الاستقرار الذي تعلق به الجبر على