حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 58
ولعل اللام فيه دون الأول لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له. وفي الأول أمر يظهر في الجبال والطير مع داود بالإضافة إليه. عاصِفَةً شديدة الهبوب من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة كما قال: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ [سبأ: 12] وكانت رخاء في نفسها طيبة. وقيل: كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته تَجْرِي بِأَمْرِهِ بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى، أو حال من ضميرها. إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها إلى الشام رواحا بعد ما سارت به منه بكرة. وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (81) فنجريه على ما تقتضيه الحكمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة من رفع. والعاصفة الشديدة الهبوب والرخاء اللينة. قوله: (ولعل اللام فيه دون الأول) جواب عما يقال: ما الفائدة في تخصيص داود بلفظ «مع» وسليمان بلفظ اللام، حيث قال في حق داود وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ [الأنبياء: 79] وقال في حق سليمان: (وسخرنا لسليمان الرياح) وراعى هذا الأسلوب أيضا في قوله يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: 10] وقال:
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً [ص: 36] وتقرير الجواب: أن ما كان خارقا في حق كل واحد منهما وإن كان معجزا تشرف به صاحبه، إلا أن سليمان لما كان مستخدما لما هو معجز له استخدام المالك لمملوكه نسب إليه باللام دون داود فإنه تشرف به من حيث موافقته له عند تسبيحه وليس نسبة معجزه إليه كنسبة المملوك إلى مالكه، فنسب معجز سليمان إليه بلام التمليك ولم ينتسب معجز داود إليه بتلك اللام. قوله: (تبعد بكرسيه) الباء فيه للتعدية يعني أنها تعمل عمل الريح العاصفة مع كونها لينة في نفسها فإن منزله عليه الصلاة والسّلام كان بالشام وكانت الريح تحمله من نواحي الأرض إليها في مدة يسيرة بعد ما سارت به منها بكرة وكانت تذهب به غدوة من الشام إلى أي ناحية من نواحي الأرض بينها وبين الشام مسيرة شهر إلى وقت الزوال، ثم ترجع منها بعد الزوال إلى الشام عند الغروب كما قال تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ [سبأ: 12] والرواح نقيض الصباح وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وقد يكون مصدر قولك: راح يروح رواحا وهو نقيض قولك: غدا يغدو غدوا. قال الحسن: لما شغلت الخيل نبي اللّه سليمان حتى فاتته صلاة العصر غضب فعقر الخيل فطفق مسحا بالسوق والأعناق، فأبدله اللّه مكانها خيرا منها وأسرع وهو الريح تجري بأمره حيث شاء، وكان يغدو من إيليا فيقيل باصطخر ثم يروح منها فيبت بأرض الشام. قال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ من ذهب في إبريسم، وكان يوضع له منبر من ذهب في وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة تقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح