حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 59
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ في البحار ويخرجون نفائسها. و «من» عطف على «الريح» أو مبتدأ خبره ما قبله وهي نكرة موصوفة. وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الغروب، وكان عليه الصلاة والسّلام أمرأ قلما يقعد عن الغزو لا يسمع في ناحية من الأرض ملكا إلا أتاه ودعاه إلى الحق.
قوله: (ومن عطف) يعني أن «مِنَ» في قوله: مَنْ يَغُوصُونَ سواء كانت موصولة أو نكرة موصوفة يجوز أن تكون في محل النصب بالعطف على الريح أي وسخرنا له من يغوصون ويدخلون تحت البحر، وأن تكون في محل الرفع على الابتداء والخبر الجار والمجرور قبله وجمع الضمير العائد إليه حملا على معناه وحسن ذلك تقدم الجمع في قوله:
الشَّياطِينِ وقوله: دُونَ ذلِكَ صفة «لعملا» . والمراد بحفظ الشياطين حفظهم من أن يعصوا ويتمردوا عليه كما قال: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ [سبأ: 12] وقيل: المراد حفظهم من أن يفسدوا ما عملوا. روي أن سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له إذا فرغ من عمله قبله قبل الليل: اجعله مشغولا بعمل آخر لئلا يفسد ما عمله. وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوه وأفسدوه. قال الإمام الرازي في تفسيره: إن الجبائي سأل نفسه وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لطيفة لا يقدرون على عمل الثقيل وإنما يمكنهم الوسوسة؟ وأجاب عنه بأنه سبحانه كثف أجسامهم وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزة لسليمان عليه الصلاة والسّلام، فلما مات سليمان ردهم اللّه تعالى إلى الخلقة الأولى لانتهاء الحكمة الداعية إلى تغيير خلقتهم. ثم قال الإمام الرازي: واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه: أحدها لم قلتم إن الجن من الأجسام ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز وتكون الجن منهم؟ فإن قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للبارئ تعالى ولوجب أن يتميز البارئ عنهم بما يميزه عنهم، فيلزم ترك الواجب. قلت: هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على اشتراك الملزومات فكيف في اللوازم السلبية؟ سلمنا أنه جسم لكن لم لا يجوز حصول القوة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف؟ وكلامه مبني على أن البنية تشترط فيه وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت بأنه لا بد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان، فإن زعمت أن إبقاءهم على الخلقة الثانية يفضي إلى التلبيس أي تلبيس النبي على الخلق بأن يدعي النبوة ويجعل ذلك معجزة لنفسه قلت: كيف يفضي إلى التلبيس وللخلق أن