فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 97
وغيرهم على التغليب فيكون قوله: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ إفرادا لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها. وقرئ «والدواب» بالتخفيف كراهة التضعيف أو الجمع بين الساكنين. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عطف عليها إن جوّز إعمال اللفظ الواحد في كل واحد من مفهوميه وإسناده باعتبار أحدهما إلى أمر وباعتبار الآخر إلى آخر. فإن تخصيص الكثير يدل على خصوص المعنى المسند إليهم أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه خبر قسيمه نحو: حق له الثواب، أو فاعل فعل مضمر أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة. وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ بكفره وإبائه عن الطاعة. ويجوز أن يجعل و «كثير» تكريرا للأول مبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب، وأن يعطف به على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحقيقي إنما يكون على طريق الخضوع والتعظيم، فيدل لا محالة على العظمة والكبرياء.
فكذا جميع هذه المذكورات تدل عليهما فشبه دلالتها عليهما بالسجود الحقيقي فأطلق عليها اسم السجود. قوله: (وقرئ والدواب بالتخفيف) أي بتخفيف الباء بحذف الباء الأولى كراهية التضعيف أو الجمع بين الساكنين. قوله: (عطف عليها إن جوّز الخ) جواب عما يقال: السجود بمعنى المسخرية للقدرة والإرادة أو بمعنى الدلالة على عظمة المدبر عام في حق الناس جميعا فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصا من غير فائدة، وتخصيص الكثير بالذكر يدل على أن المسند إلى الكثير السجود الحقيقي وذلك يستلزم أن يكون لفظ يسجد مستعملا في المعنيين بإطلاق واحد، وتقرير الجواب: أن من جوز إعمال اللفظ الواحد في كل واحد من مفهوميه وإسناده باعتبار أحد مفهوميه إلى أمر وباعتبار مفهومه الآخر إلى أمر آخر، فلا شك أن المسند إلى كثير من الناس هو السجود الحقيقي وإلى الآحاد الباقية وسائر المذكورات السجود بالمعنى المجازي. والسجود بهذا المعنى، وإن صح إسناده إلى كثير من الناس أيضا، إلا أن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن المسند إليهم سجود مخصوص مغاير للسجود المسند إلى الأفراد الباقية. ومن لم يجوّز ذلك لا يجعل قوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ معطوفا على ما قبله بل يجعله مبتدأ محذوف الخبر أو فاعل فعل مضمر وتقدير الآية: وللّه يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس، فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى العبادة والطاعة. قوله: (وأن يعطف به) أي ويجوز أن يكون قوله: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ موصوفا وصفة عطف به على ما قبله ويكون العامل في جميع المعطوفات السجود بالمعنى العام، وما ذكر من أن تخصيص الكثير بالذكر يكون لغوا حينئذ. فالجواب عنه أن ذكر الكثير ليس لتخصيص الحكم بهم ونفيه عما عداهم حتى يكون لغوا باطلا، بل المراد بذكره تفصيل الناس إلى من هو ساجد بذاته وبظاهره وإلى من هو ساجد بذاته متمرد بظاهره، وبيان أن الكل ساجد له تعالى بالمعنى