حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 142
قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: 128] وقيل: وفي هذا تقديره وفي هذا بيان تسميته إياكم مسلمين. لِيَكُونَ الرَّسُولُ يوم القيامة متعلق «بسماكم» شَهِيدًا عَلَيْكُمْ بأنه بلغكم فيدل على قبول شهادته لنفسه اعتمادا على عصمته أو بطاعة من أطاع وعصيان من عصى. وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ بتبليغ الرسل إليهم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فتقربوا إلى اللّه بأنواع الطاعات لما خصكم بأنواع الفضل والشرف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما كان تسمية اللّه تعالى هذه الأمة مسلمين بسبب أنه تعالى استجاب دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بقوله: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: 128] وجعلها هذه الأمة صار إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لكونه سببا لتسميتهم بذلك في القرآن كأنه سماهم مسلمين في القرآن. قوله: (شهيدا عليكم بأنه بلغكم) الظاهر أنه ليس المراد بشهادته أنه عليه الصلاة والسّلام يشهد على المكذبين من أمته بأنه بلغهم لأن الكلام مع المؤمنين لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا ولقوله تعالى: سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ بل المراد بكونه شهيدا عليكم أنه بلغكم تبليغا يترتب عليه تصديقكم إياه وقبولكم ما جاء به ليظهر به إسلامكم وعدالتكم، بحيث يقبل اللّه شهادتكم على منكري تبليغ المرسلين رسالتهم. إلا أن هذه الشهادة في الحقيقة تعديل منه وتزكية لهم وليست شهادة لنفسه حتى يرد أن يقال: شهادته عليه الصلاة والسّلام على أمته بأنه بلغهم شهادة لنفسه فكيف تقبل؟
فأجاب بأنها تقبل لكونه معصوما ويمكن أن يقال: تعديله عليه الصلاة والسّلام لأمته لما توقف على تبليغه إياهم ولم يثبت ذلك إلا بشهادته، كان ذلك التعديل في الحقيقة شهادة لنفسه ومع ذلك قبلت لعصمته. ولما كانت شهادته عليه الصلاة والسّلام في حق أمته المؤمنين بمعنى التعديل كان الظاهر أن يقال: شهيدا لكم بدل عليكم، إلا أنه لما كان الرسول عليه الصلاة والسّلام كالرقيب المهيمن على أمته عديت بكلمة «على» فإنها قد تستعمل بمعنى اللام كما في قوله تعالى: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3] وقال المصنف رحمة اللّه تعالى عليه في سورة البقرة: روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالبهم اللّه تعالى ببينة التبليغ وهو أعلم بهم، وإنما هو إقامة حجة على المنكرين، فيؤتي بأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيشهدون فيقولون الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار اللّه تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأل عن حال أمته فيشهد بعدالتهم.
قوله: (لما خصكم) أي اللّه بهذا الفضل والشرف إشارة إلى أن تفريع قوله تعالى: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ بالفاء على قوله تعالى: هُوَ اجْتَباكُمْ وقوله تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ يشعر بعلية ما ذكر سابقا لوجوب التقرب إليه تعالى عليهم بأنواع الطاعات، وأن تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر لكون الأولى أشرف الأعمال البدنية والثانية أشرف الأعمال