حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 145
على لغة: أكلوني البراغيث، أو على الإبهام والتفسير و «أفلح» اجتزاء بالضمة عن الواو و «أفلح» على البناء للمفعول.
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) خائفون من اللّه متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم. روي أنه عليه السلام كان يصلي رافعا بصره إلى السماء، فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده وأنه رأى رجلا يعبث بلحيته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ عما لا يعنيهم من قول وفعل. مُعْرِضُونَ (3) لما بهم من الجد ما يشغلهم عنه وهو أبلغ من الذين لا يلهون من وجوه. جعل الجملة اسمية وبناء الحكم على الضمير والتعبير عنه بالاسم وتقديم الصلة عليه وإقامة الإعراض مقام الترك، ليدل على بعدهم عنه رأسا مباشرة وتسببا وميلا وحضورا، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه. وكذلك قوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أنها لتقريب الماضي من الحال. قوله: (على لغة أكلوني البراغيث) أي على أن يكون الواو حرفا دالا على أن الفاعل جمع كما أن تاء فعلت دالة على أنه مؤنث وليست ضمير الفاعل، أو على أنه يكون ضميرا مبهما يفسره «المؤمنون» . قوله: (وأفلح) أي بفتح الهمزة واللام وضم الحاء بغير واو اكتفاء بالضمة عن الواو. قوله: (وأفلح على البناء للمفعول) يعني معنى: ادخلوا في الفلاح فيكون من أفلح متعديا. يقال: أفلحه أي أصاره إلى الفلاح، فيستعمل أفلح لازما ومتعديا. واعلم أنه تعالى أشار إلى أن الفلاح الحقيقي لا يحصل بمطلق الإيمان بل إنما يحصل بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط التي هي مذكورة في هذه الآية منها كون العبد مؤديا للصلاة حال كونه ملابسا للخشوع والخضوع. واختلف في الخشوع؛ منهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات، ومنهم من جمع بين الأمرين وهو الأولى. والخاشع في صلاته لا بد أن يحصل له مما يتعلق بالقلب والقالب وجميع ما يدل على ظاهره وباطنه نهاية الخضوع. والتذلل للمعبود إما خشوع الظاهر والقالب. فما يكون بالرأس تنكيسه، وما يكون بالعين تعاميه عن الالتفات، وما يكون بالأذن تذلله للاستماع، وما يكون باللسان القراءة بالحضور، وما يكون باليدين وضع اليمين على الشمال بالتعظيم كالعبيد، وما يكون بالظهر انحناؤه في الركوع مستويا، وما يكون بالفرج لا يظهر فيه أثر من آثار الخواطر الشهوانية، وما يكون بالقدمين ثباتهما على الموضع وسكونهما عن الحركة التي لا تكون من أفعال الصلاة، وأما خشوع الباطن فخشوع النفس بسكونها عن الخواطر والهواجس وخشوع القلب بملازمة الذكر ودوام الخضوع وخشوع السر بمراقبة المذكور وترك الخطاب إلى المكونات وخشوع الروح باستغراقه في بحر المحبة وفنائه عند تجلّي الجمال والجلال. قال الإمام رحمة اللّه تعالى عليه: فإن قيل: هل ذلك واجب في الصلاة؟ قلنا: إنه واجب عندنا. ويدل عليه