حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 146
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية، والتجنب عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمور: أحدها قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24] والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى وقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4] معناه، واللّه تبارك وتعالى أعلم، أنكم قفوا على عجائبه ومعانيه. وثانيها قوله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة بذكره تعالى. وثالثها قوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ [الأعراف: 205] فظاهره التحريم وقوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: 43] تعليل لنهي السكران عن قربان الصلاة، وهو مطرد في الغافل المستغرق المهتم بالدنيا. ورابعها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنما الصلاة تسكن وتواضع» . فكلمة «إنما» للحصر وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللّه تعالى إلا بعدا» فصلاة الغافل لا تمنع عن الفحشاء. وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب» . وما أراد به إلا الغافل. وقيل: أجمعت العلماء رضي اللّه تعالى عنهم على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها. وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
«إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب منها له سدسها ولا عشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها» . يعني لا يقبل من صلاته إلا ما عقل منها. والصلاة وإن لم تقبل التجزي جوازا وفسادا إلا أنها تقبل التجزي قبولا، وبين الأمرين فرق. وعن بشر الحافي أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته. وعن الحسن رضي اللّه عنه: كل صلاة لا يحصر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وعن معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه: من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له. قال الغزالي: المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة له لأنها لا تتحقق، إلا إذا كان اللسان معبرا عما في القلب من التضرعات. ولا شك أن المقصود من القرآن والأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء خطاب، والمخاطب هو اللّه تعالى فإذا كان القلب محجوبا بحجاب الغفلة وكان غافلا عن جلال اللّه تعالى وكبريائه، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فإنه بعيد عن القبول. وكذا المقصود من الركوع والسجود ليس إلا تعظيمه تعالى والامتثال لأمره تعالى وإيقاع هذه الأفعال لقصد التعظيم والامتثال لا يمكن مع غفلة القلب عن المعبود والمقصود تعظيمه. ولو جاز أن تكون هذه الأفعال تعظيما للّه تعالى مع أن القلب غافل عنه، لجاز أن تكون تعظيما لصنم بجنبه وهو غافل عنه. ومما يدل على أن الصلاة لا بد فيها من الخشوع والحضور أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه المصلي بالسلام عند الجماعة والانفراد، هل ينوي الحضور أو الغيب والحضور معا؟ فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السّلام الذي هو آخر الصلاة احتيج إلى