حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 173
تَهْجُرُونَ (67) من الهجر بالفتح إما بمعنى القطيعة أو الهذيان أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه. والهجر بالضم الفحش. ويؤيد الثاني قراءة نافع «تهجرون» من أهجر. وقرئ «تهجرون» على المبالغة
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله. أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) من الرسول والكتاب أو من الأمن من عذاب اللّه فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وكتبه ورسله وأطاعوه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«مستكبرين» . قال صاحب الكشاف: عفا اللّه تعالى عنه السامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع. وقال الزجاج: السامر الجماعة الذين يتحدثون ليلا على تقدير أن يتعلق «به» بقوله:
«سامرا» قدم عليه لأنه لما كانت عامة سمرهم بذكره صاروا كأنهم لا يسمرون إلا به. وقرأ العامة «تهجرون» بفتح التاء وضم الجيم من الهجر بفتح الهاء وقد يكون بمعنى الهجران والترك والقطع، أي تهجرون آيات اللّه ورسوله وتزهدون فيهما ولا تصلونهما. وقد يكون بمعنى الهذيان يقال: هجر المريض هجرا إذا هذى، والهجر بضم الهاء اسم بمعنى القول القبيح يقال: هجر يهجر هجرا بالفتح وهجر وأهجر في منطقه إذا قال قولا قبيحا. والاسم منه الهجر بالضم. وقرئ بهن جميعا أي قرئ «تهجرون» و «تهجرون» . ثم إنه تعالى لما وصف حال الكفرة الذين فرقوا دينهم رد عليهم بأن بيّن أن إقدامهم على هذه الجهالة والضلالة لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة: أحدها أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز الذي يستلزم التدبر فيه معرفة الصانع ووحدانيته وجميع ما يجب على المكلف في باب الاعتقاد والعمل، فلم لا يتدبرون فيه ليتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق؟ وثانيها أن يعتقدوا أن بعثة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أمر غريب لم يسمع ولم يرو عن الأمم السالفة وليس كذلك، لأنهم قد عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت ترسل إلى الأمم على سبيل التتابع ويثبت كل واحد منهم ما ادعاه من الرسالة بإظهار المعجزات، وكانت الأمم بين مصدق ناج ومكذب هالك بعذاب الاستئصال، وإنما دعاهم إلى ذلك عدم تصديق الرسل عليهم الصلاة والسّلام.
وثالثها أن لا يكونوا عالمين بأمانة مدّعي الرسالة وصدقه قبل ادّعائه للنبوة وليس كذلك، فإنهم عرفوا منه عليه الصلاة والسّلام قبل ادّعائه الرسالة كونه في نهاية الأمانة والصدق والتنزه عن الكذب والأخلاق الذميمة، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين الصادق؟ ورابعها أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون: إنه حمله على ادّعائه الرسالة جنونه، وهذا أيضا ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة والشرائع الكاملة؟ ثم إنه تعالى لما ذكر مبنى ضلالتهم وبيّن فساده قال: بل (جاءهم الحق) أي ليست ضلالتهم مبنية على شيء من هذه