فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 221
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعني الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص في هذا وفي الطلاق بالكسر، لأنها واضحات يصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود. وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي ومثلا من أمثال من قبلكم أي وقصة عجيبة مثل قصصهم، وهي قصة عائشة فإنها كقصة يوسف ومريم. وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) يعني ما وعظ به في تلك الآيات وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها. وقيل: المراد بالآيات القرآن وبالصفات المذكورة صفاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأوضحت فيها الأحكام) لما كان المبين حكايات هذه السورة ووصفت نفس آياتها بكونها مبينات، أشار إلى أن أصل الأحكام مبين فيها فاتسع في الظرف بأن حذف حرف الجر وأجرى المجرور مجرى المفعول به. وقوله تعالى: وَمَثَلًا عطف على آياتٍ أي وأنزلنا مثلا من أمثال الذين مضوا من قبلكم أي قصة عجيبة من جنس قصصهم، فإن قصة عائشة رضي اللّه تعالى عنها كقصة يوسف ومريم عليهما السّلام في الغرابة، فإن قصتهما ذكر فيها تهمة من برئ مما اتهم به فيوسف عليه الصلاة والسّلام اتهمته زليخا، ومريم اتهمها اليهود مع برأتهما.
وقيل: المراد بالآيات القرآن. قال الإمام رحمة اللّه تعالى عليه: إنه تعالى لما ذكر في هذه السورة هذه الأحكام وختم الكلام في الأحكام بهذه الآية، وصف القرآن بصفات ثلاث: إحداها قوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ أي مفصلات وثانيتها قوله تعالى: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. وروي عن الضحاك أنه قال: يريد بالمثل ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود فأنزل في القرآن مثله. وروي عن مقاتل رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: قوله تعالى:
وَمَثَلًا أي شبها من حالهم بحالكم في تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسّلام، يعني: بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب لتمردهم على اللّه تعالى فجعلنا ذلك مثلا لكم لتعلموا أنكم إذا شاركتموهم في المعصية كنتم مثلهم في استحقاق العقاب. وثالثتها قوله تعالى: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ والمراد به الوعيد والتحذير من فعل المعاصي. ثم إنه تعالى لما وصف نفسه بأنه أنزل آيات مبينات وأقام دلائل واضحات وقصة عجيبة من جنس قصص من قبلنا متضمنة لموعظة ينتفع بها المتقون، عقبه بقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ أي مظهرهما من العدم إلى الوجود، فإن معنى النور في اللغة هو الذي يبين الأشياء ويظهرها للأبصار. واعلم أن النور على أربعة أوجه: أولها نور يظهر الأشياء للأبصار وهو لا يراها كنور الشمس وأمثالها، فإنه يظهر الأشياء المخفية ولا يراها. وثانيها نور البصر وهو لا يظهر الأشياء للأبصار، ولكنه يراها وهذا النور أشرف من الأول، وثالثها نور العقل وهو يظهر الأشياء المعقولة المخفية في ظلمة الجهل للبصائر وهو يدركها ويراها. ورابعها نور الحق تعالى وهو يظهر الأشياء