فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 239
وكل ما علاك فهو سماء. مِنْ جِبالٍ فِيها من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها مِنْ بَرَدٍ بيان للجبال، والمفعول محذوف أي ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من برد بردا. ويجوز أن تكون «من» الثانية أو الثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول.
وقيل: المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر، وليس في العقل قاطع يمنعه. والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحابا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا، وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بردا.
وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر أو الثلج. وكل ذلك لا بد وأن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالها وأوقاتها. وإليه أشار بقوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واحد. وحاصل الجواب أن لفظ السحاب اسم جنس يصح إطلاقه على سحابة واحدة وعلى ما فوقها، والمراد هنا قطع السحاب بقرينة إضافة «بين» إلى ضميره. والركم جمعك شيئا فوق شيء حتى تجعله مركوما مجتمعا. قوله: (أي ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من برد) على أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية وهي كذلك بالاتفاق، وكذلك الثانية بناء على أنها مع مجرورها بدل من الأولى بدل اشتمال بإعادة العامل ولا تستقيم البدلية إلا بتوافقهما في المعنى. فلو قلت: خرجت من مصر من محلة كذا لا تكون الأولى والثانية إلا لابتداء الغاية. وبيّن الجبال بقوله: مِنْ بَرَدٍ أي ينزل من جبال في السماء هي برد، وقدرت ينزل لأن البدل في حكم تكرار العامل. فعلى هذا الوجه وجب أن يكون مفعول «ينزل» محذوفا وهو «برد» لأن المنزل من الجبال وهي البرد برد، وإن جعلت الثانية للتبعيض والثالثة للبيان يكون مِنْ جِبالٍ مفعول يُنَزِّلُ والمعنى: وينزل من السماء بعض الجبال التي هي البرد فالمنزل برد لأن بعض البرد برد. وإن جعلت الأوليان للابتداء والثالثة للتبعيض يكون المفعول «من برد» والتقدير وينزل بعض برد من السماء من جبال فيها أي قطع عظام كائنة في السحاب تشبه الجبال في عظمها وفي جمودها وصلابتها، فإن الجسم الشديد المتحجر يقال له جبل لتحجره وجموده. قوله: (وقد يبرد الهواء) يعني أن ما ذكر من السحاب والمطر والثلج والبرد يتكوّن في الأغلب من تكاثف البخار وقد يتكون من تكاثف الهواء. أما الأول فإن البخار الصاعد إن كان قليلا وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وإن كان البخار كثيرا ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلله فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ، فإن بلغت فإما أن يكون البرد قويا أو لا، فإن لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار