حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 264
وقيل: دام من بروك الطير على الماء ومنه: البركة لدوام الماء فيها. وهو لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا للّه تعالى. والفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل بتقريره، أو بين المحق والمبطل بإعجازه، أو لكونه مفصولا بعضه عن بعض في الإنزال. وقرئ «على عباده» وهم رسول اللّه وأمته كقوله:
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ [النور: 34] أو الأنبياء على أن الفرقان اسم جنس للكتب السماوية.
لِيَكُونَ العبد أو الفرقان لِلْعالَمِينَ للجن والإنس نَذِيرًا (1) منذرا أو إنذارا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفسيره بقوله: «أو تزايد على كل شيء» . قوله: (وقيل دام) عطف على قوله: «تكاثر» يعني قيل: الكلمة مأخوذة من بروك البعير وبروك الطير على الماء فتدل على البقاء والدوام.
والمعنى: أنه تعالى باق في ذاته أزلا وأبدا ممتنع التغير، وباق في صفاته ممتنع التبدل. ولم يرض به لأن ترتيبه على إنزال الفرقان لا يلائم هذا المعنى فإن قيل: الموصولات موضوعة لأن يطلقها المتكلم على ما يعتقد أن المخاطب يعرفه بكونه محكوما عليه بحكم حاصل له فلذلك كانت معارف، والقوم ما كانوا يعرفون أنه تعالى هو الذي نزل الفرقان فكيف حسن ههنا لفظ «الذي» ؟ أجيب بأنه لما ثبت كونه من عند اللّه بكونه معجزا بالغا إلى أقصى درجات البلاغة والفصاحة نزله اللّه تعالى منزلة المعلوم للقوم بناء على قوة دليله وظهوره. وهذا توضيح قوله: «وهذه الجملة وإن لم تكن معلومة» . الخ.
قوله: (للجن والإنس) أي لجميع أفراد كل واحد من الجنسين أشار به إلى فائدة جمع العالمين مع تعريفه فإن العالم اسم للقدر المشترك بين أجناس ما يعلم به الخالق مما سوى اللّه تعالى فيطلق على كل واحد منها وعلى مجموعها، فجمع للدلالة على تعدد الأجناس واستغراق كل واحد منها. إذ لو أفرد منكرا لفهم واحد من تلك الأجناس، ولو أفرد معرفا لتوهم أن القصد إلى استغراق جنس واحد أو إلى الحقيقة التي هي القدر المشترك بين تلك الأجناس، ولو جمع منكرا لم يكن نصا في الاستغراق للاختلاف في استغراق الجمع المنكر. وجمع بالياء والنون لأن المقصود استغراق أفراد العقلاء من جنسي الجن والإنس.
فإن جنس الملائكة وإن كانوا من أجناس العالم إلا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن رسولا إلى الملائكة فلم يبق من العالمين المكلفين إلا الجن والإنس فهو عليه الصلاة والسّلام رسول لهما جميعا. فالآية حجة لأبي حنيفة في قوله: ليس للجن ثواب إذا أطاعوه سوى النجاة من العقاب، ولهم عقاب إذا عصوا حيث اكتفى بقوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ولم يذكر البشارة ودليله قوله تعالى: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: 31] جعل ثوابهم نجاتهم من العذاب الأليم على تقدير المضاف ولم يذكر لهم ثوابا غيره وذكر لهم عقاب العصيان. قوله: (منذرا أو إنذارا) الأول على تقدير أن