حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 279
قالوه بعد نقضه. وفيه دليل على القضاء والقدر. أَتَصْبِرُونَ علة للجعل والمعنى:
وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم يصبر. ونظيره قوله: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] أو حث على الصبر على ما افتتنوا به. وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) بمن يصبر أو بالصواب فيما يبتلي به وغيره.
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لا يأملون لِقاءَنا بالخير لكفرهم بالبعث أو لا يخافون لقاءنا بالشر على لغة تهامة. وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه: الرؤية فإنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على ما قالوا: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ مع احتجاجه عليهم بسائر الرسل كأنه قيل: لا تتأذ بقولهم: فإنّا جعلنا بعض الناس بلاء لبعض كما ابتلى أشراف الناس بأسا فلهم، وذوو أنسابهم بمواليهم وسلاطينهم برعاياهم وبالعكس، ورؤساء المشركين بفقراء الصحابة. فإنه إذا أراد الشريف أن يسلم ورأى الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم وقال: لا أسلم بعده فيكون له على السباقة والفضل، فيقيم على كفره. وهو افتتان بعضهم ببعض ودليله قوله: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف: 11] فلا عجب من أن يبتلي المرسلون بالمرسل إليهم بأنواع أذاهم وأن يبتلي المرسل إليهم بالمرسلين حسدا لهم ويأسا من كونهم مكلفين بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كانوا رؤساء مخدومين. قوله: (وفيه دليل على القضاء) أي في قوله تعالى: وَجَعَلْنا دليل على أن الكائنات كلها واقعة بقضاء اللّه وقدره فإنه لا شك أن المراد منه وحكمنا في الأزل أن يكون بعضكم فتنة لبعض، فالذي حكم اللّه تعالى عليه بذلك وعلم ذلك منه وأثبته في اللوح المحفوظ وأطلع عليه الملائكة يجب أن يقع في أوقات حدوثه على وفق ما تعلق به العلم الأزلي وإلا لصار العلم جهلا ولصارت الكتابة المثبتة في اللوح المحفوظ باطلة ولصار اعتقاد الملائكة جهلا، وكل ذلك محال، وما يستلزم المحال محال.
فثبت مسألة القضاء والقدر والقضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها.
قوله: (علة للجعل) يعني أن الفتنة بمعنى الابتلاء والامتحان والاختبار، فجعل البعض فتنة للبعض معناه جعله سببا لامتحان البعض بالبعض الآخر. فكان تعلق أَتَصْبِرُونَ بقوله:
فِتْنَةً بمنزلة تعلق قوله: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] فكما أن المعنى ثمة ابتليناكم بالتكليف لنعلم أيكم أحسن عملا، فكذا المعنى ههنا جعلنا بعضكم فتنة لبعض لنعلم أيكم أحسن صبرا، فكان خلاصة المعنى فاصبروا أيها المكلفون على إيذاء بعضكم بعضا. فصبروا فأنزل اللّه تعالى فيهم: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا [المؤمنون: 111] . قوله تعالى: (وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) أي عالما بمن يصبر وبمن يجزع، فهو تبشير وإنذار للفريقين. وقيل: عالما بالصواب فيما يبتلي به الخلق وغيره فلا يضيقن صدرك يا محمد. قوله: (ومنه الرؤية) أي