حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 278
فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة والإحباط بالطاعة إجماعا وبالعفو عندنا.
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ أي إلا رسلا إنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه كقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164] ويجوز أن يكون حالا اكتفى فيها بالضمير وهو جواب لقولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. وقرئ «يمشون» أي يمشيهم حوائجهم أو الناس. وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ أيها الناس لِبَعْضٍ فِتْنَةً ابتلاء. ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء والمرسلين وبالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم. وهو تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جواب عن استدلال المعتزلة بهذه الآية على القطع بوعيد العصاة وأهل الكبائر بأن قالوا:
قوله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ يعم الكافر والفاسق لأن كل واحد منهما ظالم لقوله تعالى:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ولقوله: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11] فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه بل يعذب. وتقرير الجواب ظاهر.
والمراد بالإحباط بالطاعة أن يزيل ذلك الظلم بطاعة هي أعظم من ذلك الظلم، فلما كان اقتضاء هذا الشرط للجزاء المذكور مقيدا بأن لا يوجد ما يزيل ذلك الظلم فلم لم تقولوا إنه لم يوجد ما يزيله حتى قطعتم بتعذيبه؟ قوله: (إلا رسلا إنهم) يعني كسرت همزة «إنهم» لوقوعها في صدر جملة وقعت صفة لموصوف محذوف. واعلم أن في الآية حذفين والتقدير: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا رسلا إنهم يأكلون الطعام فحذف «أحدا» وأقيمت صفته وهي من «المرسلين» مقامه. وكذا حذف «رسلا» وأقيمت الجملة التي بعده مقامه وجاز استثناء رسلا من أحد لأنه في معنى الجمع كما في قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: 47] ويجوز أن تكون الجملة التي بعد «إلا» حالا من أعم الأحوال والتقدير: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين في حال من الأحوال إلا وهم يأكلون، إلا أنه اكتفى فيها بالضمير عن الواو. قوله: (وهو جواب لقولهم) يعني أنه احتجاج عليهم في قولهم: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [الفرقان: 7] ونقض له بحال الرسل جميعا، كأنه قيل: لو كان موافقة الرسل المرسل إليهم في الأحوال منافيا لوجب أن لا يكون أحد من المرسلين قبلك رسولا يأكل، وهو باطل فإذا لم يكن ذلك منافيا لرسالتهم لم يكن منافيا لرسالتك أيضا فإنك لا تكون بدعا منهم. وقرئ «يمشون» بضم الياء وفتح الشين المشددة ولو قرئ «يمشون» بضم الشين على بناء الفاعل لتكثر المشي لكان له وجه لولا أن الرواية بالفتح. يقال: نصبت لفلان نصبا إذا عاديته وناصبته الحرب مناصبة أي شاركته في المحاربة والمعاداة. قيل: قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً تسلية له عليه السّلام