حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 277
حجة علينا للمعتزلة. وَكانُوا في قضائك قَوْمًا بُورًا (18) هالكين مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، أو جمع بائر كعائذ وعوذ.
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول.
والمعنى: فقد كذبكم المعبودون. بِما تَقُولُونَ في قولكم إنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا. والباء بمعنى «في» أو مع المجرور بدل من الضمير. وعن ابن كثير بالياء أي كذبوكم بقولهم سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا فَما تَسْتَطِيعُونَ أي المعبودون. وقرأ حفص بالتاء على خطاب العابدين. صَرْفًا دفعا للعذاب عنكم. وقيل: حيلة من قولهم: إنه ليصرف أي يحتال وَلا نَصْرًا يعينكم عليه. وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أيها المكلفون نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (19) هي النار. والشرط وإن عمّ كل من كفر أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حجة علينا للمعتزلة) فإنهم قالوا: في هذه الآية دليل بيّن لقول من يقول: إن اللّه تعالى يضل عباده في الحقيقة، لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا ههنا: قسم ثالث غيرهما وهو الحق، وهو أنك أضللتهم. فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم علمنا أن اللّه لا يضل أحدا من عباده. فإن قيل: لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه وقالوا: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ بنعم الدنيا. قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزم أن يكون اللّه محجوجا في يد أولئك المعبودين ومعلوم أن ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجا مفحما ملوما. هذا تمام تقرير كلام المعتزلة في الآية. وتقرير المصنف ظاهر في عدم انتهاض الآية حجة للمعتزلة علينا فإنه لما تضمن كلام المعبودين أنّا لم نضلهم ولم نحملهم على الضلال حسن الاستدراك بقولهم: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ فهو نسبة الضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم واستغراقهم في الشهوات وإسناد له إلى ما فعل اللّه بهم، فكأنه قيل: لكن أضللتهم بأن فعلت بهم ما يؤثرون به الضلال فخلقت فيهم ذلك، إذ لو لم يكن المعنى ذلك لما انطبق الجواب لأن السؤال إنما هو عمن أضلهم. قوله: (التفات إلى العبدة) يعني أنه كلام اللّه تعالى خاطب به المشركين بعدما عبّر عنهم بلفظ الغيبة في قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ [الأنعام: 22؛ يونس: 28] وأصل الآية فقلنا: قد كذبكم المعبودون أيها المشركون في قولكم إنهم آلهة أو في قولكم هؤلاء أضلونا، على أن الباء بمعنى «في» . ويحتمل أن تكون الباء مع المجرور بدلا من ضمير المفعول في كذبوكم كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون، والباء صلة كذبوا كما في قولك: كذب بالحق فإن كذب إنما يتعدى إلى واحد تارة بنفسه وتارة بالباء، وقد عدي ههنا إلى كم بنفسه فلا جرم أن تكون بدلا منه. وإن قرئ «بما يقولون» بياء الغيبة تكون الباء للآلة كما في قولك:
كتبت بالقلم أي كذبوكم بقولهم: سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا. قوله: (والشرط وإن عمّ)