حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 276
قالُوا سُبْحانَكَ تعجبا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون أو جمادات لا تقدر على شيء. أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟ أو تنزيها للّه عن الأنداد ما كانَ يَنْبَغِي لَنا يصح لنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ للعصمة أو لعدم القدرة، فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك؟ وقرئ «أن نتخذ» على البناء للمفعول من اتخذ الذي له مفعولان كقوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] ومفعوله الثاني «من أولياء» و «من» للتبعيض وعلى الأول مزيدة لتأكيد النفي وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات. حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك، وهو نسبة للضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل اللّه بهم فحملهم عليه، وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك الضلال هل هو حاصل من قبل أنفسهم أو بإضلالكم إياهم. وهذا المعنى يحصل بأن يقال: أأضللتم عبادي أم ضلوا بأنفسهم من غير أن يزاد «أنتم» و «هم» ، إلا أنه غيّر النظم بزيادة «أنتم» بين فعل الإضلال والهمزة وبزيادة «هم» بين فعل الضلال و «أم» ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو تعين من تولى الفعل وباشره لا أصل الضلال إذ لا شبهة في تحققه حتى يسأل عنه، فإن أصل الضلال لو لم يكن مقطوع التحقق لما توجه العتاب وهو إظهار الغضب وقد توجه ذلك لأن هذا الاستفهام للتوبيخ والعتاب، كأنه قيل: هؤلاء الضالون لا بد لهم من مضل وأن ذلك المضل هل هو أنتم أو هم ضلوا بأنفسهم؟ فإن الضال من غير أن ينقاد لمضل خارجي هو الذي يضل نفسه لا محالة فزيد لفظ «أنتم» و «هم» ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال. ثم إنه ذكر في قوله: «سبحانك» ثلاثة معان: الأول أنه تعجب مما قيل لهم وأسند إليهم من الإضلال مع كونهم معصومين أو عاجزين عن الفعل مطلقا فإنه كثيرا ما يستعمل في التعجب، والثاني أن قولهم: سُبْحانَكَ كناية عن كونهم مسبحين موسومين بذلك فكيف يليق بهم أن يضلوا عباده، والثالث أنه يستعمل في التنزيه كما هو أصله والمراد تنزيهه تعالى عن الأنداد.
قوله: (فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك) جعل قولهم: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا كناية عن استبعاد أن يدعوا أحدا إلى اتخاذ ولي دونه تعالى، لأن نفس قولهم بصريحه لا يفيد المقصود وهو نفي ما نسب إليهم من إضلال العباد وحملهم على اتخاذ الأولياء من دون اللّه. قوله: (من اتخاذ الذي له مفعولان) أولهما ضمير المتكلمين وثانيهما قوله: مِنْ أَوْلِياءَ و «من» للتبعيض أي ما كان ينبغي لنا أن نتخذ بعض أولياء. وقرأ العامة «نتخذ» مبنيا للفاعل و «من أولياء» مفعوله وزيدت «من» فيه لتأكيد النفي. قوله: (فلا ينتهض