فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 303
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يريدونك عليه وهو تهييج له وللمؤمنين. وَجاهِدْهُمْ بِهِ بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع. والمعنى: أنهم يجتهدون في إبطال حقك فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم. جِهادًا كَبِيرًا (52) لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم، أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القرى.
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان. من مرج دابته إذا خلاها. هذا عَذْبٌ فُراتٌ قامع للعطش من فرط عذوبته. وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ بليغ الملوحة. وقرئ «ملح» على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بارد. وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا حاجزا من قدرته وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقدرته وإحسانه، ويشتغل بشكر إحسانه ومن اشتغل بها وقصر في شكر منعمها فقد كفر بحق النعمة. وأما الكفر باللّه بأن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويسند مثل هذه النعمة إلى الأفلاك والكواكب ويجحد كونها صادرة من اللّه فإنه لا شك أنه كافر باللّه تعالى. والأنواء النجوم التي يسقط واحد منها في جانب المغرب وقت طلوع الفجر ويطلع رقيبه في جانب المشرق من ساعته، والعرب كانت تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقيل: إلى الطالع منها. ثم إنه تعالى لما بيّن دلائل وحدانيته وكمال قدرته شرع في تعظيم رسوله فقال:
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا كأنه قيل: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين بأن بعثنا في كل قرية نذيرا ولكن قصرنا الأمر عليك إجلالا لك. قوله: (لأن مجاهدة السفهاء بالحجج) لم يحمل المجاهدة المأمور بها على المجاهدة بالسيف لأن السورة مكية والأمر بالقتال إنما ورد بعد الهجرة بزمان. قوله: (فيما بين أظهرهم) خبر قوله: «أو لأن مخالفتهم» ولا شك أن مخالفة العتاة الغالبين فيما بينهم أكبر المجاهدة. قوله: (أو لأنه جهاد مع كل الكفرة) فيكون ضمير «بِهِ» في قوله: وَجاهِدْهُمْ بِهِ راجعا إلى ما دل عليه قوله:
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا وهو كونه نذيرا لكافة القرى. فإنه لو بعث في كل قرية نذيرا لوجب على كل نذير مجاهدة قريته بأقصى الوسع فاجتمعت على رسول اللّه تلك المجاهدات كلها ليكبر جهاده من أجل ذلك، فلذلك قال له: جاهد بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا كبيرا جامعا للمجاهدات. ثم إنه تعالى انتقل إلى النوع الآخر من دلائل التوحيد فقال: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ كأنه تعالى يقوي به قلبه عليه الصلاة والسّلام على امتثال ما أمر به من المجاهدة الكبيرة. وأصل المرج الإرسال والتخلية يقال: مرجت الدابة إذا أرسلتها ترعى وقوله تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ مقول قول مضمر تقديره:
مرج البحرين مقولا فيهما هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج كما يقال: وجدت الناس أخبر