فهرس الكتاب

الصفحة 3649 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 331

محققين لها علمتم أن هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها، فلها مبدأ واجب لذاته وذلك المبدأ لا بد وأن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس بها وما لا يمكن، وإلا لزم تعدد الواجب أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال. ثم ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأنه تعالى لما قال لهما فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ استلزم ذلك أنهما أتياه وقالا له ذلك حين دخلا عليه، فعند ذلك قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ يسأل به عن حقيقته الخاصة ويقول: أي شيء هو، مما يطلق عليه اسم الشيء كأنه يريد به التعريض بإنكار الإله. ويدل عليه قوله تعالى بعد هذا حكاية عنه لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: 29] فأجابه عليه الصلاة والسّلام بما فيه إنكار إلهيته وأن يكون ربّا للعالمين تعريضا حيث قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا كأنه قال: أنت أحقر من ذلك وأذل فإن رب العالمين رب السموات والأرض ومدبر أمرهما وأمر أهلهما على التفصيل. ثم قال: إن كنت أنت وهؤلاء البهائم الذين اتخذوك إلها وسموك برب العالمين من الذين يحققون الأشياء بالنظر الصحيح الذي يؤديهم إلى الإيقان، علمتم أن العالم عبارة عن كل ما يعلم به الخالق من السموات والأرض وما بينهما، وأن ربها هو الذي خلقها ورزق من فيها ودبر أمورها، فيجب أن يكون واجبا لذاته مبدأ لجميع الممكنات، وعلمتم أيضا أن ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية، فتعجب اللعين من جوابه فقال:

لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ اطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية ويزعم أن السموات ممكنة مربوبة وهي واجبة متحركة لذاتها. فثنى عليه الصلاة والسّلام بقوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ استدل أولا بإمكان الأجرام العلوية والسفلية واحتياجها إلى مؤثر واجب لذاته على وجود رب يسند إلى جميع الموجودات، ثم خص من جملة الموجودات بأسرها ما هو أقرب بالنسبة إلى المستدل وهو نفسه ومن ولد هو منه. فإن دليل الأنفس أقرب من دليل الآفاق وأظهر دلالة على المؤثر القادر الحكيم فعدل إليه إشعارا بغباوتهم. وأيضا يمكن أن يتوهم كون السموات والأرضين واجبة لذاتها غنية عن الخالق ولا يتوهم ذلك في أنفسهم وآبائهم وأجدادهم، لأن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم وعدموا بعد الوجود وما كان كذلك استحال أن يكون واجبا لذاته ووجب أن يكون وجوده مستندا إلى مؤثر واجب لذاته، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى عليه الصلاة والسّلام إليه. وقوله:

«ويشك» منصوب معطوف على «أن يتوهم» وقوله: و «يكون» مرفوع معطوف على قوله: «لا يمكن» . فعند ذلك احتد اللعين وغضب ونسبه إلى الجنون استكبارا وعنادا قائلا: المقصود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت