فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 330
عَبَّدْتَ» الرفع على أنه خبر محذوف أو بدل نعمة. أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها. وقيل: تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة و «أَنْ عَبَّدْتَ» عطف بيانها. والمعنى:
تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ. وإنما وحّد الخطاب في «تَمُنُّها» وجمع فيما قبله لأن المنة كانت منه وحده والخوف والفرار منه ومن ملئه.
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) لما سمع جواب ما طعن به فيه ورأى أنه لم يرعو بذلك، شرع في الاعتراض على دعواه فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل
قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا عرّفه بأظهر خواصه وآثاره لما امتنع تعريف الإفراد إلا بذكر الخواص والأفعال، وإليه أشار بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) أي إن كنتم موقنين الأشياء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واستعبدته وتعبدته إذا أخذته عبدا وقهرته وذللته. قوله: (أو بدل نعمة) كأنه قيل: وتلك نعمة تعبيدك بني إسرائيل فيؤول المعنى إلى أن تلك التربية تعبيدك بني إسرائيل. ولا شك في أن التربية ليست نفس التعبيد إلا أنها لما وقعت بسبب التعبيد ونتيجة له جعلت نفس التعبيد مبالغة في السببية والاستلزام. قوله: (أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها) كما أن محل الضمير البارز في «تَمُنُّها» كذلك فإن تمن يتعدى بالباء فهي مضمرة والتقدير: تمن بها أو محذوفة كما في قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: 155] وعلى التقديرين يكون «أَنْ عَبَّدْتَ» بدلا من هاء تمنها. قوله: (إلى خصلة شنعاء مبهمة) وصف الخصلة بالشنعاء دلالة على أن القصد بلفظ تلك الدال على بعد المشار إليه تحقيره أو تنزيل بعده عن ساحة الحضور والخطاب وانحطاط درجته منزلة بعد المسافة، وجعل المشار إليه مبهما لعدم كونه من الأمور الخارجية المتقدم ذكرها بل هو أمر ذهني تصوره عليه الصلاة والسّلام وأشار إليه بقوله: «تلك» ثم فسره بما أخبر عنه. فإنه عليه الصلاة والسّلام تصور قوله: نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ بأنها من حيث إنها نعمة تمنها على تكون خصلة شنعاء فأشار إليها «بتلك» وجعلها مبهمة، ثم بينها بقوله: أَنْ عَبَّدْتَ كما تقول: هذا أخوك، فلا يكون هذا إشارة إلى غير الأخ فكان المعنى: هي تعبيدك بني إسرائيل. فكأن اللعين وإن امتن بتربيته إياه إلا أن تلك التربية لما كانت مسببة عن تعبيده بني إسرائيل كان الامتنان بالتربية امتنانا بتعبيدهم. قوله: (لم يرعوا) أي لم يكف ولم يتمنع. وهو من رعا يرعو أي كف عن الأمر يقال: ارعوى عن القبيح وتقديره ارعوو، ووزنه افعلل ولم يدغم لسكون الياء المبدلة من الواو ولوقوعها رابعة في الطرف.
قوله: (شرع في الاعتراض على دعواه) لم يذكروا في نظم هذه الآية أن موسى عليه الصلاة والسّلام دخل على فرعون وأدى الرسالة وقال له: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ إلا أن المصنف أشار إليه بقوله: قالَ فِرْعَوْنُ لموسى بعد ما أتياه فقالا له ذلك كما ذكرناه هناك،